في المقال السابق كارثة الثوري الموتور (1) تناولتُ بعض خصائص ما أسميته “الثوري الموتور”، واتخذتُ من حزب البعث مثالًا مزدوجًا: البعث الأول (ما قبل الوحدة)، وما أطلقتُ عليه البعث الثاني (ما بعد ما سُمّي بثورة آذار 1963)، مرورًا بحافظ الأسد وصولًا إلى يومنا هذا. وقد كان الهدف توضيح أن الثوري الموتور، مهما بدا مخلصًا أو مفعمًا بالشعارات، لا يُؤمَل منه — في الغالب — تأسيس وطن أو بناء دولة، ما لم يتخلّص من توتّره وثوريته في اللحظة المناسبة. فهو غالبًا لا يمتلك أي تصوّر قابل للتفاوض حول “تفاصيل اليوم التالي”، بل يغرق في الانتقام من الماضي، ويجعل من هذا الانتقام أساسًا لمستقبله السياسي وسيرته ، حتى يختلط الهدف بالهدف، وتضيع البوصلة.
ولأن هذه الظاهرة ليست حالة خاصة، بل نمطًا متكررًا في تاريخ الثورات، أتابع اليوم مثالًا آخر من تاريخنا الإسلامي: الخوارج، بوصفهم نموذجًا مبكرًا لما أسميته “الثوري الموتور“.
أول تمرّد سياسي–عقائدي بعد ظهور الإسلام
يمثّل الخوارج أحد أوضح النماذج التاريخية للتمرّد السياسي–العقائدي في صدر الإسلام. لقد نشأوا من داخل البيئة الدينية نفسها، خرجوا من نصوص الوحي ذاتها، ومن رحم التقوى والالتزام، لكنهم سرعان ما تحوّلوا إلى قوة صدامية ترى نفسها الممثّل الوحيد للحق.
بدأ تمرّدهم من فكرة بسيطة: “نحن نريد الحق” وانتهى إلى نتيجة أكثر حدّة: “نحن وحدنا نمثّل الحق”.
لم يرَ الخوارج أنفسهم متمردين على الإسلام، بل متمردين لأجل الإسلام، وهو ما أضفى على حركتهم طابعًا أخلاقيًا ظاهريًا، لكنه كان يخفي توترًا داخليًا عميقًا. لقد مثّل الخوارج النموذج الأولي للثائر الذي يبدأ بنيّة صافية، ثم يتحوّل — بفعل “الموتور الداخلي” — إلى مشروع عنف وتكفير وقطيعة مع المجتمع.
بدأ تمرّدهم من فكرة بسيطة: “نحن نريد الحق.”فلا تتفرقوا و“ان الحكم الا لله” , وانتهى “نحن وحدنا نمثّل الحق.” وانتم في الجحيم .
أصل طيب لا يكفي ,النوايا الجيدة حين تنفصل عن الحكمة.
كان الخوارج من أكثر الناس التزامًا بالعبادة والزهد والانضباط الديني. رفعوا شعارًا يبدو نبيلًا: “لا حكم إلا لله” اعتراضًا على التحكيم بين علي1 كلمة حق اردوا بها باطل ومعاوية.
غير أن هذا النقاء الظاهري تحوّل — بفعل التوتر الداخلي — إلى تكفير المسلمين وكل من لم يكن في ظلهم، واستحلال دمائهم، والانقسام إلى عشرات الفرق (الفصائل الثورية ) المتشددة لاحقًا، بحيث أصبحت كل فرقة تكفّر الأخرى. مارَسوا العنف كوسيلة لتحقيق الصواب والحق من وجهة نظرهم، والتقرّب إلى الله وتطبيق الشريعة كما فهموها، فشرعوا ومارسوا الاغتيال السياسي كأداة شرعية: اغتيال علي بن أبي طالب، ومحاولة اغتيال معاوية بن أبي سفيان، ومحاولة اغتيال عمرو بن العاص في يوم واحد.
لقد ثاروا على علي — بعد أن كانوا مناصريه — لأنه قبل التحكيم، وعلى معاوية لأنه “طاغية” بنظرهم، وعلى كل من خالفهم، ما جعلهم يعيشون في حالة تمرّد دائم، دون قدرة على تقديم مشروع فعلي خاج الشعارات او بناء كيان سياسي مستقر، التزموا بشعار رفعوه هو “لا حكم إلا لله”.
هذا المسار من التقوى → التشدّد → التكفير → العنف يمثّل جوهر ما أسميته “الثوري الموتور“. لقد كانوا أناسًا صادقين، ليسوا فاسدين ولا أرادوا الفساد، لكنهم موتورون، وبالنتيجة تحوّل الصدق والإخلاص والتمسك بما اعتقدوه حكم الله إلى عنف ووبال على الأمة كلها، وشركاء في قتل وفتنة ترافقنا إلى اليوم. ولعلي أؤكد أنهم لو نجحوا في اغتيال الثلاثة معًا، لما كان فارق الأحداث بالنتيجة متغيرًا إلى انقسام أشد، فالموتور لا يمكنه أبدًا أن يؤسس لدولة. هذا محال طالما هو موتور.
لماذا اعود إلى الخوارج؟
لأنهم نموذج مكتمل للثائر الذي يبدأ بالتقوى وينتهي بالعنف. دون تخلي صريح عن التقوى او النوايا الحسنه المتجسدة في شعارات تتفق عليها الجموع لاول وهله. أن الغضب حين يختلط بالدين أو الثورة ينتج “موتورًا” لا يستطيع بناء دولة.أن الثورة تحتاج عقلًا باردًا لا قلبًا مشتعلًا.
دعونا بايجاز نمر على بعض سيرتهم :
خطة الاغتيالات الثلاثية
تروي المصادر أن الخوارج خطّطوا لقتل ثلاثة أشخاص في ليلة واحدة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص. بالنتيجة فشلوا في قتل معاوية (ضربه الخارجي بسكين مسمومة لكنه نجا)، وفشلوا في قتل عمرو (لأن الذي قُتل كان نائبًا عنه في الصلاة)، ونجح ابن ملجم في قتل علي.
ولعل من المناسب أن أذكر بعضًا من سيرة ابن ملجم هذا، فمن يقرأ قصة “عبد الرحمن بن ملجم” يلحظ مفارقة مذهلة في سيرة رجل خلّده التاريخ كقاتل الإمام. لم يكن شخصًا فاسقًا أو منحلاً في نظر من عاصروه، بل كان على النقيض تمامًا: رجلًا تقيًا، زاهدًا، عابدًا، من قرّاء القرآن وفقهائه، وقد أوصى به عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص قائلًا: “آثرتك به على نفسي”.
هكذا، عندما قُبض على ابن ملجم وحوكم، كان مسرورًا بفعله، هو يؤمن أنه فعل قتله لعلي قُربةً لله، وسيلتقي بربه كمجاهد في سبيله دفاعا عن شرعه . كان يستغفر الله ويذكره بلسانه اثناء التحقيق ، وبعض الروايات تسرد أنه كان فرحًا أن لسانه رطب بذكر الله قبل أن يلفظ روحه. بعض المصادر تذكر صبره على تعذيبه، صمتَ على قطع يديه ورجليه، لكنه لم يصبر على قطع لسانه، لأنه كان يريد أن يُبقيه رطبًا بذكر الله. تُضيف بعض المصادر أنه “لما عولج لسانه ليُقطع فجزع”، وعندما سُئل عن سبب جزعه وعدم صبره كصبره على قطع يديه ورجليه، قال: “ما ذاك بجزع، ولكني أكره أن أبقى في الدنيا فُواقاً لا أذكر الله.”
إنها مفارقة لافتة: قاتل علي لم يكن فاسقًا ولا منحلاً، بل كان من أهل العبادة والورع. كما يبدو .
وحتى علي ورد عنه أنه سئل عن هؤلاء الخوارج وقد واجههم في النهروان وقتل بلا رحمة غالبهم: (يا أبا الحسن أكفار هم؟)2https://shamela.ws/book/37779/68 قال: (من الكفر فروا). فقيل: (يا أبا الحسن! أمنافقون هم؟) قال: (إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً). قيل: (فما هم؟) قال: (هم إخواننا بغوا علينا). وفي رواية: (هم إخواننا بغوا علينا، أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا). ولعمري هذا تعريف ما للثوري الموتور، أو لنقل المؤمن الموتور.
ومع ذلك تشير مصادر أخرى.، أوصى علي — وهو المطعون — بعدم التمثيل بابن ملجم ، في مشهد يلخّص الفارق بين الحكمة والموتورّية،
خلاصة
إن الخوارج دون تعيين, هم ظاهرة ثورية نفسية سياسية تتكرر في كل عصر، وإن كان مثالنا يبدو في ظل حالة دينية لخوارج العصر الأول من الإسلام. لكن يمكن إطلاق نعت الخوارج، كما الثوري الموتور، على كل حاملي الغضب بلا مشروع، وإن تميزوا بالطهارة والنقاء في أصلهم وبدايتهم، لكن بلا عقل ومشروع سياسي صالح مؤسس، مجرّد رافضين للواقع بلا خطة حقيقية ممكنة لتغييره سوى الهدم والعنف. والحقيقة أن مصدر شرورهم هو إيمان مطلق بأنهم وحدهم على الحق.
وهذه الصفات مجتمعة هي ما يكوّن شخصية الثوري الموتور: فاعل غير فاسد بالضرورة، لكنه ممتلئ بطاقة غضب لا يستطيع ضبطها، فيحوّل كل مشروع إصلاحي إلى مشروع عنف.
كان الخوارج مثل البعث الثاني نموذجًا للثائر الذي لا يستطيع أن يحكم، لم ينجحوا في بناء دولة، بل عاشوا في حالة نفور على مجتمعهم وتمرّد دائم.
مثّل الخوارج — كما البعث الثاني، وكغالب الثوريين في التاريخ — نموذجًا مبكرًا ومؤلمًا لتحوّل الإخلاص العقائدي إلى عنف سياسي. في مثال الخوارج تحوّلت التقوى إلى تكفير، والاندفاع إلى قطيعة مع المجتمع. وتؤكد تجربتهم أن النية الصافية لا تكفي لبناء مشروع سياسي، وأن الإخلاص حين ينفصل عن الحكمة يتحول إلى عبء، وأن الثائر الموتور — مهما بدا مخلصًا — لا يبني دولة، ولا يصنع عدلًا، بل يترك وراءه الفتنة والانقسام.
ورب قارئ يتأمل اليوم في مشاهد الثورات التي تضج بها الشاشات، أو في تنظيمات تخرج من تحت أنقاض الاستبداد حاملة المصاحف وشعارات التغيير، ثم لا تلبث أن تتحول إلى آلات تكفير وتصفية، يدرك أن “الخوارج” ليسوا طيفًا انقضى، بل نمطٌ يعاود التشكل تحت أثواب مختلفة. العبرة ليست في شدة الصلاة أو طول القيام،او فكر عظيم لعقيدة يسار او يمين , بل في القدرة على بناء وطن يتسع للآخر، وفي امتلاك عقل بارد في لحظة قرار حارق. أما من لا يملك إلا غضبه ونقاء نيته، فسيظل — مهما تغير الزمان والمكان — ثائرًا موتورًا، لا يؤسس دولة، بل يورث الفتنة والخراب .
يتبع .
