الطائفية في سوريا: من الصانع بين ابن تيمية والخصيبي والأسدية!؟
الخلاف العقائدي قديم، لكن تحويله إلى كراهية جماعية وسياسة قتل هو نتاج سوريا الحديثة، لا نتاج ابن تيمية.
تُقدَّم الطائفية في سوريا اليوم وكأنها قدرٌ تاريخي ممتد منذ القرون الوسطى، وكأن السوريين محكومون بصراعٍ أبدي بين الهويات الدينية. غير أن قراءة دقيقة للتاريخ تكشف أن هذا التصور مضلّل، وأن الانقسام السوري: صناعة القرن العشرين تحديدا , وان جذور الانقسام السوري حديثة، سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى، وليست امتدادًا مباشرًا لفتاوى أو نصوص تراثية.
في هذا المقال أحاول تفكيك المقولة الشائعة حول “الطائفية الأزلية”،محاولة الإجابة ,كنت من هؤلاء أو أولئك “1دم هؤلاء مباح” أو أن “أولئك لا يستحقون الأمان”. ,عن سؤال عاصف يتردد في سوريا اليوم من كل انتماء: لماذا يكرهوننا ؟ أو لماذا نكرههم ؟ محاولة لفهم الصراع في سياقه الحقيقي: سياق ما سمي الدولة الحديثة” الفاشلة“، لا سياق ابن تيمية أو الخصيبي.
فجوة 370 عامًا: ما بين الخصيبي وابن تيمية
عاش الحسين بن حمدان الخصيبي مؤسس العلوية الحديثة في القرن الثالث والرابع الهجريين (ت 358هـ)، بينما عاش ابن تيمية الذي تنسب له فتاوي التكفير من المريدين والخصوم في أواخر القرن السابع وأوائل الثامن (661–728هـ) خلال غزو المغول للشام .
بين الرجلين 370 عامًا تقريبا أي 4 قرون ,لم تُسجَّل خلالها فتاوى تكفير صريحة بحق العلويين بالمعنى الذي شاع لاحقًا.كان الأمر لا يتجاوز توصيفات لفرقة “غالية” أو “مخالفة” ,لكنها لا تخرج عن دائرة الإسلام بالضرورة , نقاشات لاهوتية لا تتجاوز حدود الخلاف العقائدي ,وغياب شبه كامل لخطاب الإقصاء الديني الشامل ما نسمية : “التكفير” .2لم يصلني أثناء البحث نص مباشر من كتب الغزالي يكفر فيه العلويين باسمهم، لكن بعض الباحثين أشاروا إلى أن فتواه كانت تستند إلى قاعدة فقهية عامة، وهي أن “من استحل ما حرم الله من ضروريات الدين كالخمر والزنا، أو جحد نبوة محمد ﷺ، فهو كافر”. وقد رأى من وصفوا العلويين في عصره أنهم يخالفون هذه الضوابط
بمعنى أن التراث في اصله لم ينتج كراهية جماعية بجذوره ، كما يصور الطائفيون اليوم , ولم يخلق مشروعًا لإبادة أو إقصاء طائفة بعينها. وان الاستدعاء الانتقائي لفتاوى ابن تيمية اليوم هو إعادة توظيف سياسية، لا امتداد تاريخي طبيعي.
ما أزال اعتقد أن الكراهية والانقسام الحاليين في سوريا اليوم تعود في جذورها المباشرة إلى أحداث القرن العشرين تحديدا وليس تأصيلا إلى فتاوى ابن تيمية كما يريد المتنازعون أن يصوروا . .فالتوتر الطائفي الذي تصاعد بعد الاستقلال، وتحديداً منذ الستينيات ” ثورة آذار البعث الثاني ” والسبعينيات صعود -حافظ الأسد- ، إلى أحداث الثمانينيات ,وصولاً إلى الانفجار الكبير عام 2011، تغذيه عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية معاصرة: تأسيس دولة أمنية تُعيد تشكيل المجتمع على أساس الولاء ,رافقه توزيع غير عادل للسلطة والثروة وتحالفات طائفية‑سياسية مرتبطة لاحقا بإيران وغيرها ,إلى جانب عسكرة وترييفً للسلطة ,و أجهزة أمنية تُعيد إنتاج الطائفية كأداة حكم , تكونت نتيجتها شبكات مصالح فوق وطنية أدت إلى تآكل الثقة بين المكونات اليوم بسبب العنف السياسي لا بسبب العقائد في الأصل .هذا الصراع على السلطة، كان نتيجته انفجار ثقة بين المكونات..
إني لا ازعم هنا أن الخلاف العقائدي غير موجود وغير مربك … لكنه لم يكن ليتحول الى مشروع قتل حاد وإنكار للآخر .لقد تعايش الجميع لقرون .لكن ما وصل بنا الحال اليوم من كراهية متفجرة , هو لوثة الحداثة السياسية الفاشلة في سوريا التي كونتها عقود البعث الثاني 3إن تمييز البعث بين فترة ما قبل الوحدة وفترة ما بعدها ضروري وقد تم توضيحه في مقال كارثة الثوري الموتور 1 -تحديدا بعد 1963 وليس فتاوي ابن تيمية .
هكذا تأسست وتحوّلت الطائفية من مجرد اختلاف فكري وديني إلى أداة حكم، ثم إلى سلاح سياسي.وصناعة الكراهية
إن استدلال بعض الأطراف بفتاوى ابن تيمية أو غيرها ,واستخدام الأطراف الأخرى للعنف الطائفي كغطاء، فهو “شماعة كراهية القبيلتين” ـ أي توظيف النصوص القديمة لتبرير عداوات الحاضر، والهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للصراع: غياب الدولة المدنية العادلة، وتركة الاستبداد، من دم وفساد ,والتوزيع غير المتكافئ للثروة والسلطة.
باختصار: إن العنف الطائفي اليوم هو اصل سياسي .الخلاف العقائدي موجود في التراث بحدوده ، لكن تحويله إلى كراهية جماعية وسياسة مجازر وقتل وتشريد هو نتاج الحداثة السياسية الفاشلة في سوريا،,وهو صناعة القرن العشرين وليس امتداداً حتمياً لفتاوي ابن تيمية كما يزعم بعض الطرفين .
ما يظنه معظم السوريين اليوم. الطائفية في سوريا هي نتاج الدولة البعثية الأمنية أولاً، ثم نتيجة فشل المعارضة في تجاوز الخطاب الطائفي ثانيًا، ثم أخيرًا وليس ” أولاً “نتيجة تراث تكفيري. لكن التراث موجود في الرف، جاهز، وهو حقيقي وقاس. الفرق أن السوريين لم يكونوا بحاجة إليه ليكرهوا بعضهم في الخمسينيات؛ تعلموا الكراهية من المخابرات والفساد والتهميش والقمع والإقصاء السياسي. ثم ذهبوا إلى الرف ليأتوا بالنصوص التي تبرر ما صاروا يشعرون به.
إن قولي هذا لا يعني تبرئة مطلقة للتراث ,إن القول انه “صناعة القرن العشرين” لا تعني أن التراث لم يُستخدم – بل يعني أن ذلك التراث ,تعبئته وتسليحه هي الحديثة. وهذا لا يبرئ التراث، لكنه يحمّل الحداثة المشوهة المسؤولية الأولى.
فطبيعي انه كتراث كل الأمم الغابرة ,كان هناك أنتاج للكراهية، وأي نعم التراث لم يكن حياديًا تمامًا , صحيح أنه لم ينتج مشروع إبادة، لكنه أنتج أدوات جاهزة للاستخدام في السياقات العنيفة. فتاوى ابن تيمية عن النصيرية موجودة ونصها قاسٍ. الذي تغير ليس النص، بل السياق: تمر قرون لا يكون هناك حاجة سياسية لاستخدامها، أما في القرن العشرين فأصبحت مفيدة في لحظة سياسية، لذا تم استرجاعها من الفاعل والمفعول .فمن يريد تبرير الكراهية، لن يقبل أن جذورها سياسية حديثة (لأنه يحتاج شرعنه أزلية لعداوته)وها هم الخصيبي وابن تيمية .. جاهزون للاسترجاع .
وبلغة هذا العصر لا بلغة ألف عام مضت ,يجب أن ندرك أن الحل ليس أن نتفق على صحة عقيدة أو خطأ أخرى، بل أن نتفق على أن الجريمة تبقى جريمة بغض النظر عن هوية مرتكبها. وننكرها .
وان الحل هو سياسي، وليس لاهوتيًا. يمكنك أن تعيد قراءة ابن تيمية والخصيبي بما يخدم التسامح، كما يمكنك أن تقرأهما ليخدم القتل. النص لا يتغير، لكن النية والسياق هما اللذان يقرران. وهذه مسؤولية السوريين اليوم، وليس مسؤولية مَن ماتوا منذ ألف سنة.
وان تجاوز لعنة الطائفية ، والكراهية يكون حصرا بخيارات سياسية : تأسيس دولة قانون، عدالة انتقالية تميز بين الصالح والطالح وتنصر المظلوم من ظالمه ، ومواطنة متساوية تعيد الثقة بين السوريين بمسطرتها .
