كنتُ سجينًا بشكلٍ ما، إلى ما قبل سقوط الأسد.خوف الاعتقال على الطريق، الحواجز، ملاحقة عائلتي بسببي…كنتُ سجين اللاذقية، وسجين التواصل المحدود مع الأصدقاء، وسجين الحركة الضيقة جدًا ,تلك كانت شروط النجاة الخفية, ومع ذلك، كنتُ جادًا في عزمي على زيارة دمشق، مهما حدث.دمشق التي لم أزرها منذ الربع الأول من عام 2012، بعد اشتعال الثورة والاضطرابات في سوريا.

كان السفر طقسي المفضل , رغم كرهي لكلمة “طقوس” اسبوعيا زيارة لدمشق وغيرها ,دمشق كانت مفضلة لدي ,احببتها ..تنوعت زياراتي بين العمل و تغير جو .. لم يمر اسبوعان قبل ذلك تقريبا دون رحلة الى دمشق انا ابن اللاذقية ..دمشق تحديدا كانت نافذتي إلى الحياة

في بدايات 2024، عزمتُ على زيارة دمشق والمخاطرة بعد كل تلك السنوات سجينًا. لا يهمّني، سأزورها. فكّرتُ في الشهر التاسع: طقس مناسب، ومدينة تغيّرت بلا شك خلال ثلاثة عشر عامًا. هذه المرة ليست زيارة عمل، ولا زيارة “تغيير جو”، بل تحدٍّ شخصي.وصلت للشهر التاسع ,لكن حقا لاسباب لوجستية تاجل الموضوع .. ثم سقط الطاغية الاسد .. اصبحت حرا .. سازور دمشق دون قلق .. لكن ..فجاة ..!!

فجاة ,انباء عن اصدقاء قضوا ,توفي م.. صديق عزيز في صيدنايا تحت التعذيب ,الصديق الذي عرفته لسنوات..التقيته آخر مرة في دمشق , ..انا سيء في التاريخ ..لكنه اعتقل بعد اشهر ..في ذلك الوقت ..كم مرة طلبت مني زيارة دير الزور ..ولما افعل ..
كانت صفعه .. وتتفجر ذاكرتي , فرح بسقوط الطاغية لكن , خالد … , مازن .. آخرين ..كان غالبا ملتقانا دمشق ..فجاة امام الحقيقة .. لا امتلك الشجاعة اليوم لزيارة دمشق .. ما هي دمشق ؟؟هي غيرها تلك القديمة تماما ..؟من سالتقي ..ماذا سافعل !.. هناك كنت ازور صديقي من ايام الدراسة جان الغليظ ان كان متوفرا .. وهناك في السوق ازور العزيز خالد امام الذي اعتقل وتم تصفيته بسجون الاسد منذ 2012 غالبا .. وفي ذلك المكان وذلك الشارع ضحكنا وتآمرنا مع فلان واخرين …. لا يبدو اني اجرؤ حتى على زيارة دمشق ..

سقط الطاغية الاسد ورحل .. لكني اعاني .انا لست ذاتي الذي كان قبل 2012 , وهاهو النصر والافراح في الشارع ,لكني لستُ أحمد ذاته أبدًا. أنا بقاياه، ولا أعرف كم تبقّى مني.


سهل جدا ان ازور دمشق كما يفترض , لكن عقلي…صعب جدا في الحقيقة .. اناقش نفسي , ما المشكلة , ما بي , ربما اعتدت على سجني الخاص .. لا اعرف كيف افسر ان الامر عاد ليكون متاحا وسهلا , مجرد زيارة سهلة ..ياتون من الخارج , يزورون الاماكن .. والمدن … لكني -مجرد زيارة قصيرة لدمشق- اجد الفكرة ثقيلة وصعبة .
هل هو مجرد خوف من مدينة اعرفها واخشى انها غيرها واصبحت غريبة ؟، هل هو مواجهة مع مدينة الظل الثقيل التي تسكن صورتها المتخيلة راسي بذكرياتها الآن.

لكن هل هذا يخص دمشق ؟! قريتي ايضا القريبة من اللاذقية , كنت اريد زيارتها رغم انف الاسد , تهريب كما يقال , كنتُ أحلم بشربة من نبعتها، بشجرة التوت، بصوت ورق الحور، بصباحها.رغبة شديدة للزيارة، مع تجاهل تام للمخاطر. والاخطار , لكن , اليوم كما دمشق , الذكريات تتحول الى الضحايا , اقارب قضو , بيوت دمرت , وحتى الاشجار قطعت , مع هذا كنت راغب بشدة بزيارتها ايام الاسد .. اليوم , هذا ممكن وسهل .. لكني اجد نفسي بقطيعة مع الفكرة ..
اليوم ..لا ارغب ابدا بزيارتها ..وكم هي قريبه وسهل ..احبها لكني لا اجد الجراة والرغبة اليوم ..تحاصرني صور من استشهد من أقاربي، وذكريات الأشجار التي قُطعت، والنبعة التي تخيّلتها بلونٍ أحمر.
ثم افكر :هل اخشى زيارة المكان او مراجعة الذكريات !؟هل اخشى اني لم استطع انقاذهم, او ان اكون معهم في النهاية ..

المفارقة أن الحرية التي اصبحت ممكنه (بسقوط الأسد) هي نفسها التي تسلبني الأعذار. لم يعد هناك خوف لوجستي يمنعي، فلم يبق سوى ذكريات لاطيافهم .. لكن هذا يسكنني , هذا هو الجحيم الجديد..رحيل الطاغية حرر الجسد. لكن معرفة رحيل صديق او عزيز تنتظرنجاته وحريته فيكون فقيدا تحت تعذيب قبل يومين من التحرير , يجعلك تألم , تجعل الألم مضاعفًا. تدرك سجنك. أي سجن؟ سجني الخاص.

اقول لنفسي ربما تحتاج لمرة اولى , افعلها .. سينتهي كل هذا الهراء..؟
زيارتي لدمشق لن تعيد الاصدقاء ممن فقدت ، قد تكون طقوس عبور لدفن نسختي الاخيره سنوات الحرب . هذا كلام سهل !!

ترميني الافكار , ربما فكرة ان أزور قريتي وأشعر بـ… لا شيء. فراغ جليدي.هذا مرعب أيضًا. لكن… واذا ..
انا سجين شيء ما ..ادرك ان فعلها اول مرة قد يجعلني انجو من هذه القيود .. ربما .. لكني انا الشخص الجريء ..اجد نفسي خائفا .. ومثقلا بالافكار..بظلال ذاكرة ..
الحرية التي ناضلت من أجلها لم تكن فقط “بدون أسد”، بل كانت “بدون جدران في رأسي”. متى بنيت كل هذه الجدران ؟, كيف اهدمها ؟!,جدران الذاكرة أثقل من جدران سجون الأسد.
أنا خائف من مواجهة النسخة المدمّرة من ذاكرتي وحياتي, الخوف ليس من الرحلة، بل من أن تنهار الأسطورة التي بنيتها في رأسي عن “كيف كنت وكانت “. والحلم … وهل ..

كيف سأواجه شبح هذه الذاكرة لأرى ما تبقى منها , كيف تحولت من شجاعة “سأواجه الحواجز والاعتقال لأصل إليها”.الى ,ما أسهل الوصول .. لكني “فقدت الرغبة والشغف” بل كرهت الفكرة !
لكن , كيف لعقلي الذي تكيف مع حالة “العدو والكفاح” كوضع طبيعي.ان يتحول لجبان او غير مكترث عند تحقق الحرية والنصر والخلاص ,هل لاني اعتدت على القتال ! من انا بلا قتال؟ ماذا الان ؟، سقط الطاغية , لكن لما تحقيق الهدف يتحول لدي لمصدر قلق “هل هذا كل شيء؟”، “لماذا لست سعيدًا ومنتشيا كما املت وتوقعت؟لقد مضى عام ونصف، وما زلتُ متعبًا من الذاكرة.

هذه أحلامي، وأحلام من قضى من أصدقاء وأحبّة. لماذا لا أستمتع؟ ما بي؟ هذا ليس طبعي… لستُ ذاك.


هل هو شعوري بالذنب: “لماذا أنا على قيد الحياة وأحرر بينما رفاقي ماتوا؟”,ثم تاتيني فكرة اخرى :”لقد عاهدت نفسي على الوصول، والآن وقد وصلت… لا أعرف من أكون بدون هذا الحلم…لكن لكن لماذا لستُ مستمتعًا؟لماذا أبدو سجينًا جدًا؟


لكن ما هي قيودي ؟ احاول وافكر ..عندما ينتظر الإنسان شيئًا بشدة لسنوات، يستنزف عقله كل الطاقة العاطفية المتعلقة به في التخيل والاستعداد. وعندما يأتي الحدث فعليًا، يجد نفسه يفكّر بالخسارات، ثم يكتشف أنه استهلك كل مشاعره مسبقًا، ولم يبقَ لديه طاقة لمواجهة الواقع.

تقول لي نفسي :كنت لأضحي بحياتي لأجل هذه الأنقاض؟ لكن صدى من راسي يخبرني : هل كان كل هذا الألم يستحق؟ هل لان الحلم الوردي لم يكن ورديا كفاية ؟الواقع رمادي اليسه!! لكن!
افكر ..؟ لقد نجوت من منظومة كانت قادرة على اعتقالي أو قتلي في أي لحظة. نجوت يا أحمد … لكن آخرون لم ينجوا: ما… خا… أقاربي مدينتي قريتي ذكرياتي..الاماكن ذاتها لما تنجو .. قالوا لي ممن ناقشتهم بحالتي , هذه صدمة النجاة :هي ليست شعورًا بالذنب فقط، بل أيضًا شلل نفسي أمام الأماكن التي تحمل ذاكرة الألم.
عندما يسقط الخطر فجأة، لا يعود الجسد ولا الوعي إلى “الوضع الطبيعي” مباشرة. بل يحدث العكس: يبدأ الدماغ في استرجاع كل ما نجا منه، ويشعر بثقل النجاة نفسها. لقد نجوت ..او هكذا يبدو .. لكن لم ينج جميع من احبهم ..

ثم يخطر لي وافكر .. لما تعقد الامور , هذا ليس طبعك .. اذهب الى دمشق او القرية ببساطة , اول عشر دقائق وسيرحل كل هذا .. واكسر هذا القلق والالم ..سينتهي.. لكن ..هذا الكلام يجعلني ارجع للخلف اكثر ..
ربما عندما يعيش الإنسان سنوات في الخوف والنجاة ، يصبح الخوف “نظام تشغيل”. وحين يزول الخوف فجأة،يشعر بالامان , بالهدوء , لا يعرف الجسد كيف يتصرّف. الحرية تصبح ثقيلة. الخطوة الأولى تصبح أصعب واعقد من كل بساطة ظاهرة , من كل ما سبق.

هل كنت اكذوبة ولم اكن شجاعا فعلا فيما سبق , ربما ,كيف أحاصر نفسي بسجني .من صنع هذا السجن هم ام انا؟ يبدو اني “اعتدت على سجني الخاص.” لكن …كيف يتحوّل الخوف الخارجي إلى خوف داخلي، حتى بعد زوال مصدره…؟
فهمت الان ان الإنسان لا يخرج من السجن بمجرد فتح الباب. يحتاج وقتًا ليصدّق أنه خرج لكن هل ساخرج .. قريبا ..اني احاول ..


ابدو عاجزا . هل هو عجز مؤقت عن ممارسة الحرية بعد سنوات من القمع. هذه “قلة شجاعة” … لكن عندما كنت اعيش الخطر والفقد والتهديد لسنوات ..لا اعتقد اني كنت جبانا .. مالي اليوم !…
لكن تعود الفكرة :
أنا نجوت. مازن لم ينجُ. خالد لم ينجُ.اصدقاء ومعارف تشاركنا الحلم
, أحبهم ..قضوا .. أقاربي لم ينجوا. قريتي لم تنجُ. ثم تجن معي فكرة “ أنني بقيت… وهم لم يبقوا.”

سجني هذا سجني الخاص!! ، يصبح السجن الذي صنعه الخوف أكثر راحة من الحرية التي جاءت متأخرة. الحرية تحتاج قلبًا جديدًا، وأنا ما زلت أحمل قلبًا تعلّم أن ينجو .. كي يبقى حيًا.هناك أماكن لا نعود إليها، ليس لأنها بعيدة، بل لأنها قريبة أكثر مما ينبغي. قريبة لدرجة أن خطوة واحدة نحوها تعيد إلينا كل ما حاولنا أن نتركه خلفنا: الأصوات، الوجوه، الطرق التي كنا نعرفها، والطرق التي لم نعد نعرف أنفسنا فيها.ثم اضحك واتذكر مقولة الفيلسوف عن الاماكن : لا يمكنك ان تعبر بذات الجدول مرتين ..

أنا لست خائفًا من دمشق. أنا خائف من الذاكرة التي ستستيقظ في دمشق.انا خائف من اني اكرهها اليوم ولا احبها , لست خائفًا من القرية. أنا خائف من النسخة التي فقدتها من نفسي هناك.
لا انا هو الشخص الذي كان قبل الثورة، ولا هو الشخص الذي سيكون بعدها. لا اعرفه ,ولم افهم ذاتي الجديدة بعد ..
احتاج لوقت لاحقق مصالحة مع ما حدث، ومع من رحلوا، ومع نفسي التي نجت. او اظنها نجت .

.



اترك رد