إن الفكرة الشائعة عن وجود “نموذج إسلامي ثابت للحكم” ليست سوى تصور أفلاطوني لا يسنده التاريخ. فكتب السيرة والتاريخ نفسها تميّز بين أربعة أو خمسة من الحكّام وتمنحهم لقب “الخلفاء الراشدين” حصرا ، وكأن بقية الحكّام من طينة مختلفة وصنف اقل عليه ما عليه وله ما له ,أن كتاب التاريخ – وهذا يحسب لكتاب التاريخ الإسلامي- عندما يمدحون 5 منهم تخصيصا هو يذمون الباقي أو يجعلونهم خارج أي وهم للمثالية من جانب آخر تقريبا ,البقية كانوا حكاما لهم وعليهم جدا . هذا من جانب تصنيف أخلافي للحكام خلال 1400 عام ,5 فقط نالو تقديرا ما .وأما عن طريقة تداول الحكم ومرجعيته نكتشف ببعض البحث أن الوعي الإسلامي المبكر لم يعرف نموذجًا واحدًا ملزمًا، بل كان يفرز طبقات من الشرعية بحسب الظرف السياسي والزمان والمكان ,لا بحسب نصّ ديني محدد.
وعند النظر في الوقائع، يتبيّن أن طريقة اختيار الحاكم تغيّرت جذريًا خلال فترة قصيرة من الزمن, ولعله يمكن اختصارها ب6 من الطرق الشهيرة , فقد بدأ الأمر باختيار محدود في سقيفة بني ساعدة لمن حضر فكان أبو بكر، ثم تحوّل إلى تعيين مباشر حين عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر، ثم إلى شورى مقيدة بين ستة أشخاص اختارهم عمر نفسه، ثم إلى غلبة بالسيف في الصراع بين علي ومعاوية، ثم إلى وراثة ملكية حين ورّث معاوية الحكم لابنه يزيد، وأخيرًا إلى انقلابات وثورات رافقت انتقال السلطة بين الدول الأموية والعباسية وما تلاهما إلى آخر خلافة العثمانيين..
فإذا كانت هذه النماذج أل 6 كلها ظهرت في صدر الإسلام، فأيّها يمكن اعتباره “الأصل الشرعي”؟ وواجب التقليد ؟الجواب المنطقي أن لا نموذج واحدًا مقدسًا، بل سلسلة من الاجتهادات البشرية التي عكست موازين القوة وظروف المجتمع في كل مرحلة. ببساطة شكل الدولة ليس ثابتًا، بل هو اجتهاد بشري تغير حسب الظروف وهذا لا يعيب التجربة الإسلامية في شيء؛ فكل الحضارات الكبرى مرّت بمثل هذا التنوع في أنماط الحكم، وتبدّلت فيها الشرعية بتبدّل الواقع. فترات نهضة وفترات انحطاط , إنها دولاب الحضارة الذي دار بكل الحضارات .
إنما الإشكال الحقيقي يبدأ حين تُحوَّل هذه التجارب المتناقضة إلى “نظام جاهز” يُراد إسقاطه وفرضة على عصر مختلف تمامًا، وكأن التاريخ يمكن نسخه أو استعادته خارج سياقه. يريدون الحكم بشرع الله , وطاعة ولي الأمر حتى لو كان فاجرا في بعض النصوص .خلق الحاكم لأجل الرعية وليخدمها , لا العكس.
