خالد بن الوليد: الذي امتلك كلَّ شيء ولم يطلب شيئًا

أكتب هذا المقال إلى أولئك الذين لا يكفون عن تذكير الناس بأنهم “حرروا”، وكأن ما قدموه صار دينًا في أعناق المجتمع، أو صكًا يمنحهم حق الوصاية على البلاد والعباد.

ولست هنا بصدد مناقشة الدور السياسي والعسكري لمختلف القوى التي شاركت في الصراع السوري، ولا أثرها إيجابًا أو سلبًا في إطالة أمد المأساة، فذلك موضوع آخر. وإنما أتوقف عند مسألة أخلاقية ودينية أشد عمقًا: مسألة الإخلاص.، وكيف يمكن للعمل العظيم في ظاهره أن يضيع إذا تحوّل إلى وسيلة لطلب الجاه أو السلطة أو المنفعة الفردية او لجماعة ..

روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال:

إنَّ أوَّل الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجلٌ استُشهد، فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهدت. قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ ليُقال: جريءٌ، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجلٌ تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعَمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلمَ وعلّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلّمتَ ليُقال: عالِمٌ، وقرأتَ ليُقال: قارئٌ، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلَّه، فأُتي به فعرَّفه نِعَمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال: جوادٌ، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجيهه…” – حتى أُلقي في النار.

هذا اثر لو تعونه يهز القلب هزًا. ففيه أن أول من يقضى عليهم يوم القيامة ثلاثة: رجل قاتل حتى استشهد، ورجل تعلم العلم وعلّمه، ورجل أنفق ماله في وجوه الخير. وهي أعمال يراها الناس من أعظم القربات.

لكن السؤال لم يكن: ماذا فعلوا؟

بل: لماذا فعلوا؟

فكان الجواب الصادم: “كذبت”، لأن الغاية لم تكن الله، وإنما ثناء الناس ومدحهم.

إذا كان هذا الحكم قد وقع على من قاتل، ومن علّم، ومن أنفق، فكيف بمن لا يكتفي بالعمل، بل يجعل منه منّة على الناس، ويطالبهم صباح مساء بالاعتراف بفضله؟ ويطلب مكاسب من مناصب وموظائف هو ليس اهل لها ..

إن من يجاهد لله لا ينتظر أجره من البشر، ومن يقدم تضحية خالصة لا يحولها إلى وسيلة لطلب النفوذ أو المناصب أو الامتيازات.بل لقد قامت انتفاضة السوررين ليكون الشخص المناسب المؤهل والنزيه في المكان المناسب .. وليس بسيفي انه محرر او مجاهد فقط .

ومن هنا يحضر في ذهني خالد بن الوليد احد اعظم قادة الجيوش والعسكر في التاريخ .
ذلك القائد الذي ارتبط اسمه بأعظم الفتوحات الإسلامية، والذي هُزمت على يديه دولتان عظيمتان كفارس والروم.رجل واجه مرتدي الحجاز نمن العرب , ثم انطلق للعراق فكسر فاس , ومنها الى الشام فطرد الروم , الرجل الذي تعلقت به الجيوش وأعجب به الناس حتى خشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يفتتنوا به.

ومع ذلك، حين جاءه قرار العزل، لم يشعل فتنة، ولم يعتبر نفسه صاحب حق مكتسب، ولم يقل: أنا الذي انتصرت، وأنا الذي فتحت، وأنا الذي قدّمت.فكيف اعزل ؟؟

نزل من موقع القيادة إلى موقع الجندية بنفس الطاعة والإخلاص.

عندما وصل خالدًا خبرُ عزله على يد صاحبه ورفيق طفولته عمر بن الخطاب ,وهو الذي كان يناديه بكنيته القديمة فلا يأنف: “يا أعيسرَ بنَ أم شملة، ما عزلتَني؟” فقال عمر: “إن الناس قد افتتنوا بك يا خالد”. فما كان من خالد إلا أن قال: “الحمد لله الذي لم يُفتنَّ بكم”.

تأمّل هذه الجملة: رجلٌ حُرم قيادةَ الجيوش، فحمد الله أنه لم يُشرَّف بما يُفتن به… اي شخص هذا اي مجاهد واي قائد عسكري عظيم .. بل وبمفرداتكم اين ايمان خالد العظيم واخلاصه من تمنينكم علينا وبعضكم صبية لما يدمن ذقنه ولحيته!!
ببساطه , خالد الذي وحدة كان يجرؤ ان يتنابز مع عمر الخليفة “الاعيسر بن ام شمله “لا يجعل التنافس فيها ضغينة عند اصحاب العقول …
هل كان له ان يتمرد وينقلب ويستولي على الحكم! ..

كان قادرًا على الاعتراض، وقادرًا على استثمار محبة الجنود له، وقادرًا على صناعة انقسام كبير داخل الدولة الناشئة. وبسهوله ان يقود جنده ويعلن نفسه حاكما ..

لكنه لم يفعل.

ليس لأنه لم يستطع، بل لأنه استطاع فأبى.
كان في استطاعته، لو أراد، أن يستثمر محبة الجنود له ونفوذه الواسع في الشام والعراق، وأن يفتح باب فتنة سياسية كبرى. لكنه لم يفعل، لا عجزًا، بل اختيارًا.

وهنا تكمن عظمة خالد الحقيقية.

العظمة ليست في قدرته على الانتصار في المعارك فقط، بل في قدرته على الانتصار على نفسه.

ولهذا أجد من الغريب أن يكثر الحديث اليوم عن حق “المحررين” في التحكم بمستقبل البلاد، أو احتكار القرار، أو احتكار الوطنية، أو تقديم أنفسهم باعتبارهم أصحاب الفضل الحصري فيما جرى.

فحتى لو سلمنا جدلًا بدور أي طرف، فإن قيمة العمل الأخلاقية تسقط عندما يتحول إلى وسيلة للمنّ على الناس.

ثم إن الحقيقة أكبر من كل هذه الادعاءات.

فسوريا لم يحررها فصيل واحد، ولا جماعة واحدة، ولا تيار واحد.

سوريا حررها كل من قال “لا” للطغيان حين كان قول “لا” يساوي الاعتقال أو التعذيب أو الموت.

هذه البلاد لم يحررها حزب، ولا جماعة، ولا فصيل.
هذه البلاد حررها كل إنسان قال للطغيان: لا.

حررها أطفال درعا.

حررها حمزة الخطيب.

حررها غياث مطر.

حررها باسل شحادة.

حررها مازن حمادة.

حررتها رزان زيتونة.

حررها عبد العزيز الخير.

حررها عبد الباسط الساروت. وفدوى سليمان .

وحررها مئات الآلاف من السوريين الذين دفعوا أثمانًا باهظة لأنهم رفضوا الاستبداد.

أما تحويل تضحيات الناس إلى رصيد سياسي خاص، أو إلى مبرر للمطالبة بالهيمنة على المجتمع والدولة، فذلك لا يشبه أخلاق الأحرار، ولا يشبه سيرة خالد بن الوليد.

لقد فهم خالد معنى الإخلاص، فترك وراءه سيرة أعظم من كل منصب كان يستطيع الوصول إليه.

أما الذين لا يزالون يطالبون الناس بالاعتراف بفضلهم صباح مساء، فربما يجدر بهم أن يتأملوا هذه السيرة مرة أخرى.

فمن عمل لله، انتظر ثوابه من الله.

ومن عمل من أجل الثناء، فقد أخذ نصيبه حين سمع المديح.

لقد انتصر خالد على أعدائه في الميدان، لكنه انتصر على نفسه بعد ذلك، وكان هذا أعظم انتصار.

أما الذين لا يزالون يطلبون من الناس الاعتراف بفضلهم كل صباح، فربما لم يدركوا بعد أن العمل الذي يُطلب ثمنه من البشر، قد يكون قد ضاع أجره عند الله.

اترك رد