لم يكن السوريون بحاجة إلى حرب كي يكتشفوا اختلافاتهم؛ كانوا بحاجة إلى دولة تعترف بهذه الاختلافات وتديرها.
لسنواتٍ طويلة، عاش الناس معًا في المدارس والجامعات والجيش والملاعب والوظائف، في الريف والمدينة، لكنهم لم يتعلّموا يومًا كيف يعيشون معًا. كان تعايشا هشًّا. وعند أول اهتزاز ، خرج كل ما كان مخفيًا: الخوف، الذاكرة، الغضب، والهوية البدائية.
والخوف والخوف .
التعليم الذي لم يعلّم شيئًا عن الإنسان
كان التعليم في عهد الأسدين يبدو محايدًا: نفس الكتب، نفس النشيد، نفس “الوطنية” التي تُلقّن للجميع. لكن حياده كان خدعة. فما كان ينجزه فعليا هو حشو شعارات وطنية كبرى بلا أي صلة بالواقع .قدّم تشويه عقائدي لفكرة “الوطن” ، الوطن هو القائد الفذ ,لكنه لم يقدّم الإنسان كقيمة,علّم الطاعة، لا الحوار, وكرس الخوف من السياسة ، لا المشاركة فيها,هكذا نشأت أجيال تعرف كيف تردّد “أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة …” لكن لا تعرف كيف تختلف مع جار دون أن تراه تهديدًا.ووحشا , تهتف عن امه من المحيط إلى الخليج ,لكن أهل الحي والجيران تخافهم . ربما التعليم لم يكن طائفيًا في الشكل والعنوان المباشر ، لكنه كان مُفرّغًا من أي أدوات تمنع الطائفية والعصبيات عند أول أزمة, هذا ما أنجزه التعليم في عهد الأسدين فعليا ,واليوم ننال بعض نتائجه..
الدولة الأمنية: قشرة التعايش القسري
لخمسة عقود، لعبت الدولة دور “الغطاء” الذي يمنع الانفجار الأكيد. لم تكن تبني ثقة بين الناس، بل تبني خوفًا مشتركًا أسسته بكفاءة ,صناعة الخوف , المجتمع الخائف, هو القنبلة ألأعصف,الخوف من الدولة ,من الأمن , من الحيطان , الخوف من المبادرة ,الخوف من الكلام ,الخوف من السياسة (شو فهمك ),وبالنتيجة الخوف من الآخر.كل آخر .وهكذا كنا مجتمع مفكك تحت غطاء يظهر أننا واحد .
كان السوريون يعيشون معًا، كما يبدو من بعيد , لكنهم لا يعرفون بعضهم. كانوا يلتقون يوميًا، لكنهم لا يثقون ببعضهم. كانوا يتشاركون الشارع، لكنهم لا يتشاركون الذاكرة.
وحين سقطت شبه الدولة، سقط معها الغطاء الوحيد الذي كان يمنع الانفجار.
لحظة الانهيار: عودة السوري إلى “ هوياته البدائية”
عندما ينهار النظام الذي يضبط المجتمع بالقوة، لا يظهر “الخير” ولا “الشر”، بل يظهر الخوف وأثاره .جماعات تخاف بعضها ,مجموعة تبدو منتصرة ,وتخاف من عودة جماعة سبقتها أو مشاركتها , المهزومة ,وجدت نفسها تخاف محاسبتها .الخوف هو السائد ,الكل خائف ,المنتصر كما يظن , والمهزوم , والخوف عندما يتحكم في الأفراد أو الجماعات ,يكون الجحيم . الخائف يعيد تعريف العالم بطريقة مظلمة . الخوف يحوّل الجار إلى تهديد، والزميل إلى عدو، والمختلف إلى خطر وجودي.وكل الجماعات الأخرى ..إلى كوابيس ..
كل علوي عميل، كل سنّي إرهابي، كل مسيحي حليف للغرب, كل كردي انفصالي,كل معارض خائن تحالف أقليات ,كل موالٍ قاتل,كفار، عملاء، إرهابيون.
في لحظة الانهيار، يصبح السؤال:
“من قد يقتلني غدًا؟”.. الآخرون جميعا!!
كيف أنجو؟!!
لا أحد يسأل: “من هو المختلف عني؟” وما هو الاختلاف فعلا , بل: “من قد يسبقني إلى قتلي؟”
وهنا يبدأ التحوّل.
كيف يصبح الضحية جلادًا؟
الخوف وذاكرة الضحية , ذاكرة مقابلة لجلاد سابق ,يدرك اليوم انه مستهدف ,خائف , وخائفون ,الكل خائف ,الألم غير المعالج يتحوّل إلى عنف , والأيديولوجيا كمرجعية تمنح شرعية للانتقام (دين مذهب عقيدة حزبية طائفة ), زمن الخوف هو زمن الجنون ,والجماعة تمنح هوية جديدة في ظل الخوف ,تخبرك أنها هي أمانك . ,كما يمنح السلاح رصيدا اكبر من الجنون والخوف وشعورا بالقوة بعد سنوات من العجز . الخوف المرعب هو ظل الجميع ,الخوف يخلق سرديات مطلقة ,سرديات جماعية عن الآخر, نحن/هم، خير/شر.ا يصبح الضحية السابق مقتنعًا أنه “يدافع عن نفسه”، حتى وهو يمارس الجَلد.ويصبح كل آخر ,فرصة انتقام .
صناعة “الهويات القاتلة”: حين يصبح الجميع شعب الله المختار
هكذا لحظة في تاريخ الأمم في سيكلوجيا الشعوب ,تكون قاتله =لعنة الخوف , تتحول بسببها فيها المفاهيم والأخلاق والمواقف من هذا العالم المعقد, إلى ثنائيات ,يتحول الخوف إلى يقين, وأن الآخر هو العدو .تخلق “نحن” نقية و”هم” ملوّثة.
بعض جماعات ينفذون أوامر السلطة حتى لو كانت وحشية، خاصة إذا كانوا يعتقدون أنهم مجرد أدوات لـ”أمر أعلى” (الدولة، الدين، الثورة). هذا الشعور بـ”توزيع المسؤولية” يجعل الفرد يشعر بأنه أقل ذنبًا. هذا حدث ويحدث سابقا واليوم مع تبادل الادوار بين الضحية والجلاد .سهل التبرير :الآخرون كانوا كذلك في النظام السابق. وبالخوف المكرس هذا تتحول كل جماعه إلى : “لا أحد يحميني إلا مجموعتي” .
وهنا يكون تبرير العنف ,فعل أخلافي, فعل نجاة من “هم“, كل يرى نفسه “شعب الإله المختار” ,يعود كل طرف إلى سردتيه التاريخية ليبرّر خوفه. ,هو الجماعة الأصلح وبعض التاريخ المزعوم ربما الجينات ,ربما فحص DNA هي دليله .. ,والآخرون “هم” — الشر .. بالنتيجة جماعتنا , “نحن ” الأفضل ,ليس غرورًا، بل خوفًا من الإبادة.
المشكلة لم تكن في التعليم وحده، بل في غياب ثقافة الاعتراف:
المجتمع الذي لا يؤسس ولا يتعلم أفراده كيف يختلفون ، المجتمع الذي يتجاهل تمامًا أسئلة العدالة، الحقوق، الاختلاف، المواطنة، النقد , سيتقاتل عند أول اختلاف.
والمجتمع الذي لا يتعلم كيف يعتذر، سيبرّر كل جريمة.لا اعتراف بالاختلاف ,لا اعتراف بالألم ,لا اعتراف بالحقوق أو الظلم ,يعني لا اعتراف بالذاكرة , والذاكرة هنا هي ذاكرة الجميع , جميع الجماعات , فذاكرتها المشتركة هذه هي ما يؤسس وعي المجتمع هي الذاكرة الجمعية المتفق عليها والمتصالح حولها وهي أساس عقد الأمة او الوطن ,والمجتمع الذي لا يتعلم كيف يسمع الآخر،ولا يحاول فهمه , سيخترع لهذا الآخر صورة شيطانية,انهم أعداءنا , سيقتلوننا .
لكن ليس الذكريات وحدها من تحمي المجتمعات , ذكريات المدرسة الجيش الشارع ,عندما تكون مجرد ذكريات بلا معنى سياسي ,يكون فعلا اجتماعيًا، لا سياسيًا. لن يكون اثر , السياسة هي التي تحمي المجتمعات، لا الذكريات.
لم يكن السوريون ملائكة ثم أصبحوا شياطين
كانوا بشرًا يعيشون فوق أرضٍ هشّة، تحت دولة تمنع الصراع لكنها لا تنظّم الاختلاف، وتعليمٍ يعلّم الشعارات لكنه لا يعلّم الإنسان، ومجتمعٍ يخاف من السياسة أكثر مما يخاف من الحرب.ما حدث في سوريا هو مثال كلاسيكي على كيف يمكن للسلطة المجرمة (كالنظام السابق) أن تخلق مبررًا للتطرف المضاد، وكيف أن الحرب تجعل الأخلاق ترفًا لا يستطيع تحمله سوى القليل.
عندما انهارت البنية، ظهر ما كان مخفيًا: الخوف، الألم، الذاكرة، الهوية، والرغبة في النجاة بأي ثمن.
لا أحد يولد جلادًا.
لكن غياب البنية التي تمنع الجَلد يجعل الجَلد ممكنًا.
والخوف , الخوف هو الهلاك ,لا يمكن بناء وعي ومجتمع وهوية في ظل شبح الخوف .أخافك، تخافني، نخاف بعضنا.
هذه بوابة الجحيم.
لا تخف ..اترك خوفك وتعال.
