تقديم :
في هذه السلسة سأحاول طرح فهمي لشخصية “الثوري الموتور” (عقده، دوافعه، بنيته العاطفية)خلال مقارنة تاريخية بين الثوريين الموتورين في تجارب متعددة في التاريخ الحديث وربما أعود لبعض القديم كفترة الخوارج وغيرها من تاريخنا وصولا لتجارب ثورات (الخميني، اليعاقبة، البلاشفة، الفرنسية ليبيا، اليمن…الخ )على سبيل المثال ,و من ثم ربط مباشر مع الحالة السورية بعد 2011 من وجهة نظري .

====================

قراءة في تحوّل حزب البعث: من حزب عقائدي إلى عصبية سلطوية

ليست كلمة “الموتور” شتيمة، بل توصيفاً بنيوياً دقيقاً لحالة نفسية–سياسية تتكرر في كل الثورات. “الثوري الموتور” هو ذلك الفاعل الذي تحكمه طاقة الهدم أكثر مما تحكمه رؤية البناء . قد يبدأ ثورته محقاً، وقد تكون أهدافه عادلة، لكن المأزق الحقيقي يبدأ بعد سقوط النظام القديم.

هذا النمط من الثوار لا يستطيع، بطبيعته النفسية والسياسية، أن يضبط ذاته. يملك مشروع هدم وربما انتقام، لكنه لا يملك مشروع بناء. وإذا انتصر، فإنه يهزم شعاراته التي ثار من أجلها، لأن الثوري الموتور لا يستطيع أن يتحول إلى مؤسس أو حاكم عادل ما لم يتخلّ أولاً عن “ثوريتـه” ذاتها.

ولكي لا تبقى الفكرة تنظيراً، فالمثال الذي سأبدأ به هذه السلسلة هو قصة تحوّل حزب البعث في سوريا.الى جماعة موتورة .

المرحلة الأولى: البعث المؤسس حزب المفكرين قبل صعود “الموتورين”

قبل عام 1963،ربما 1958 . كان حزب البعث حزباً عقائدياً–فكرياً بامتياز. ضمّ مفكرين ومنظّرين كباراً مثل ميشيل عفلق، زكي الأرسوزي، أكرم الحوراني، وصلاح البيطار. كان الحزب، في تلك المرحلة، أقرب إلى نخبة فكرية قومية قاعدة شعبية تؤمن عامة بالعمل السياسي، وبالانتخابات، وبالتعددية.

الأهم أن هذا الجيل المؤسس بقاعدته ومنظريه كان مستعداً للتضحية بالحزب نفسه من أجل الهدف الأكبر: الوحدة العربية. حين طُرحت فكرة الوحدة مع مصر أوالعراق، لم يترددوا في قبول حلّ الحزب.لا لأجل السلطة ذاتها ، كانوا حزباً لأجل الوطن، لا وطناً لأجل الحزب.

كانوا عقائديين، نعم، لكنهم لم يكونوا انتهازيين أو وصوليين أو موتورين.

المرحلة الثانية: انقلاب 8 آذار 1963

لحظة وصول “الثوري الموتور”

مع انقلاب 8 آذار، حدث الانفصال الجذري. لم يكن أصحاب الانقلاب هم المفكرين المؤسسين، بل دفعة جديدة من الثوريين الموتورين الذين حملوا خطاب الانتقام من “الرجعية”.

بمجرد نجاح الانقلاب -الثورة – ، أصبح المؤسسون ذاتهم “نكرات” في نظر القادة الجدد. حلّ محلّهم جيل من العسكريين الموتورين الذين لا يمكن تشبيههم إطلاقاً بمؤسسي الحزب. ثوريون متوترون لم يروا في السياسة إلا ساحة تصفية حسابات.

ملامح الكارثة بعد النصر الثوري:

  • إلغاء الحريات السياسية والاقتصادية
  • إقامة دولة الحزب الواحد( كان للناصرين ذراع في دفع البعث لهذه النقطة أيضا)
  • فرض قانون الطوارئ منذ 1963 إلى 2011
  • مصادرة الدولة لصالح شعارات البعث من تأميم فوضي

هكذا تغيّر الحزب: من حزب مفكرين قبل الثورة … إلى عصبية سلطوية يقودها موتورون. من ثورييه

بقية الحكاية تعرفونها بدأت الثورة تأكل أبناءها: أمين الحافظ، ثم صلاح جديد، ثم حافظ الأسد. كل دفعة كانت أكثر توتراً وتطرفاً من سابقتها، حتى أصبح الحزب أقرب إلى شبكة عصابات منه إلى حزب سياسي.

بالنتيجة :”البعث” ذاته أصبح مختلفاً. وصل الثورجية الموتورون، ولم يحكموا إلا بالانتقام. بل إن الثورة أكلت أبناءها تباعاً في فصول متتالية: عبر أمين الحافظ، ثم عبر “ثورة داخلية” أوصلت دفعة أكثر تطرفاً من الموتورين. صلاح جديد حافظ الاسد فاصبح الوطن السوري مزرعة عصابة عنوانها حزب تم تأسيسه من مفكرين وطنيين تقدميين وانتهى بموتورين .


المرحلة الثالثة: الحركة التصحيحية

تطرف يبتلع تطرفاً

مع حافظ الأسد، اكتملت دورة “الثوري الموتور” , انتقم من رفاقه القدامى والجدد على حد سواء بأبشع الطرق . لم يعد هناك فرق بين “رجل المؤسسة” و”الثوري الموتور”: الجميع أصبح ضحية لآلة انتقام لا تتوقف.والوطن اصبح مزرعة خوف.

تحوّل الأسد إلى طاغية يأكل رفاقه قبل أعدائه، لأنه لم يستطع—مثل من سبقه—أن يتخلص من ثوريته. فالثوري المتوتر، الخائف، المعقّد، لا يستطيع أن يحكم إلا بمنطق التوتر ذاته.

الثوري بعد الثورة… بين الدولة والانتقام


ان الثوري يعاني بعد الثورة من مشكلة الخلط بين الثورة والدولة،هو ماهر في تفكيك الأنظمة القديمة، لكنه يفتقِر إلى أدوات صنع أنظمة جديدة.مشاعره (الانتقام، الغضب، الإقصاء) كانت وقوداً للثورة، لكنها تصبح سماً بعد النصر. فالثوري النقي قد يكون غير صالح للإدارة غالبا الا بالتخلص من اللعنة الثورية ي سلوكه، هذا لا يعني أن الحل هو التخلي عن المبادئ، بل تحويل الطاقة الثورية إلى مؤسسات وقوانين تسس للتحول إلى نضج سياسي دون الانزلاق إلى الفوضى أو الاستبداد
المعضلة البنيوية:

الثائر الناجح في التغيير غالبا يفشل في الحكم، لأن أدوات الثورة (الرفض، الهدم، الاستقطاب) تختلف عن أدوات الدولة (البناء، التوافق، المؤسسات). يبقى الثائر “موتورًا” بالماضي،، فيحوّل الدولة إلى أداة تصفية حسابات لا إلى مشروع بناء.


ختاما أنا لا أهاجم الثورات كفكرة (ولي في هذا تفصيل يعرفه من يعرفني)، بل أنقد «قدسية حالة الثورية» كحالة نفسية وسياسية دائمة. ادفع لفهم الفارق الجوهري بين «المناضل» (الذي يمتلك مشروعاً وطنياً ويتحول إلى مؤسس بعد النصر) و «الموتور» (الذي يعشق المعركة لذاتها ويصبح طاغية ) إذا انتصر ، إن الثورة تنتصر حقا فقط عندما يتوقف الثائر عند لحظة الانتصار ويترك الحكم لغيره , أو يتخلص حقا من توتره،

يتبع

اترك رد