هل تملق الجمهور أقل ضررًا من تملق الحاكم؟ لماذا تبدو النخب العربية تتبع الشارع بدل قيادته، وتلحق السلطة بدل توجيهها. لماذا لا يحتمل مجتمعنا النقد،و من هو المثقف الحقيقي؟
من يوقظ المجتمع؟
المتملّق للجمهور لا يختلف عن المتملّق للحاكم: كلاهما يهرب من الحقيقة لأنها مكلفة.
كل مجتمع يحب من يمدحه، ويكره من يوقظه. لكن التاريخ لم يعرف نبيًا أو رسولًا أو مصلحًا عظيمًا واحدًا جاء ليقول للناس: “أنتم بخير” اذا لماذا هو مصلح اصلا . والمجتمع الذي لا يحتمل النقد، لا يحتمل التغيير.و الشعبوية لدى من يمثلون النخبة ليست أقل خطرًا من الاستبداد.
ان المجتمع الذي لا يحتمل النقد، لا يحتمل التقدم. لأن من لا يرى أخطاءه أو يغفل عنها، ولا يعرف حجم ما يتطلبه التقدم، سينتهي إلى السكون، و من ثم التراجع، وستنفجر مشكلات المسكوت عنه او المتأهلة . المجتمع الغارق في لحظة جمود هو اتجاه للرجوع للخلف، فالأفراد أو المجتمع الساكن، سيكونون خارج التاريخ، ويتآكلون فتثور مشاكلهم كالعاصفة في لحظة قريبة..هذه المشاكل يفترض ان النخب من يراها ويعرفها ويكشفها قبل الجميع.. للجميع.
النخب المتملّقة: خذلان أخطر من الاستبداد
في المجتعات العربية وفي حالتنا السورية تحديدا ,اعتقد ان غالب خذلاننا يتعلق في نخبنا أو ما نسميه ” نخب”و قبل العوام . فنخبنا الحالية – للأسف – نخب ساكنه جبانه ,تحب أن تلحق وتتبع الجماهير لا أن تقودهم، بل وتلحق السلطة لا أن توجهها، وهي في هذا متخاذلة ومؤذية ومخربة وخائنة للفكر والعقل الذي تدعي والمجتمع ، وعكس دور النخب الأصيلة والمصلحين عبر التاريخ في التعامل مع السلطة والشارع . نخبنا “وهم “في غالبها نخب متملقة في اتجاه السلطة أو الشارع، وأحيانًا معًا في الاتجاهين.!!
أن من يغازل الجمهور يرتكب الجريمة نفسها التي يرتكبها من يغازل الحاكم. فالتملّق من النخب – سواء صعد نحو السلطة أو هبط نحو الشارع – هو خيانة واحدة للحقيقة. من يبيع رضى الحاكم يفسد السياسة، ومن يبيع رضى الجمهور يفسد الوعي. كلاهما يعمل بالدافع نفسه: الخوف من المواجهة، والرغبة في النجاة داخل القطيع. وهكذا يكون دور ما يسمى نخبة تخريبًا عكس وظيفتها المفترضة.
وظيفة المصلح الحقيقي: صناعة الشك لا الطمأنينة
ان وظيفة المثقف او النخبة ليست إرضاء أحد، بل إعادة توجيه المجتمع نحو قيم أعلى.وأعلى .
إن دور النخب الواجبة بكل اشكالها من مصلحين, انبياء,و رسل ,مفكرين ,ليست صناعة الطمأنينة، بل صناعة الشك. ليست تثبيت المجتمع على ما هو عليه، بل خلخلته ودفعه إلى مراجعة ذاته.ليلصح ويتقدم باستمرار, لذلك كان الأنبياء – على سبيل المثال – عبر التاريخ مصدر قلق لا مصدر راحة، ومصدر مساءلة لا مصدر تطمين.فالرسول لا يمكن ان يكون شاعر بلاط، ولا بائع أوهام، ولا مطرب سوق يغازل الجمهور ببلاهة..هو نقيض ذلك تمامًا. ان وظيفة النخب لم تكون يوما السكون ، بل إعادة توجيه المجتمع للتقدم والتقدم .
لم يبعث الله نبيا او رسولًا مداحًا يمدح باطلاق ما هو موجود أو يمدح المجتمع ويفسده بالثناء وبالرضا عن النفس. إن الرسول – أي رسول – هو دائمًا هجوم وإقلاق وإثارة وإحداث للألم. هو نوع من التشاؤم الذي يتحول إلى شك ومحاولة تغيير الناس والأشياء.
والرسول النبي كما المثقف والمصلح لا يتملق، لا يُتوقع منه أبدًا أن يتملق لفساد حاكم أو ضعف ،وجهل جمهور. والذي يتملق مشاعر العامة ليس أقل جريمة من الذي يتملق الحكام. والحافز لمتملق المجتمع هو نفسه الحافز لمتملق السلطة. إذا تحول إلى بوق… يصبح كالحذاء.
متملق السلطة ومتملق الجمهور: وجهان لعملة واحدة
ان المتملّق للسلطة يقول: “مولاي، سيدي ،زعيمي المفدى أنت النور افعل ماتشاء ”. والمتملّق للجمهور يقول: “يا شعب، انت عظيم ,أنتم دائمًا على حق ,انتم اعظم الشعوب ”. والاثنان بالمناسبة يعرفان أن هذا الكلام لا يصدّقه حتى طفل في الصف الأول .لكن قد تصدق كلامه العوام لبساطتهم ، وربما حاكم احمق لا يهتم الا بطغيانه , هكذا يكون المديح والتملق تجارة مربحة غير مكلفة ابدا ، والضمير سلعة كاسدة.
المديح يغذّي النرجسية الجمعية
عندما يمدح الكاتب أو الخطيب أو المثقف المجتمع، فهو يساهم في تضخيم الأنا الجماعية وتثبيت الوهم بأن “كل شيء بخير”، فيُسكّن المجتمع وينتج تعطيل النقد الذاتي، “كل شيء على ما يرام”، الذي يعني بالنتيجة إيقاف التطور اي فرصة للتقدم . هذا ما يسمى في علم النفس بـ Self-enhancement bias. ،تحيز تعزيز الذات. أي ميل الفرد أو الجماعة إلى تقييم ذاتها وصفاتها وقدراتها بشكل إيجابي أكثر مما هو موضوعي أو واقعي. بعبارة أخرى، هو النزعة إلى رؤية الذات بصورة أفضل مما هي عليه في الحقيقة. هذا يعني عادة صعوبة التعلم من الأخطاء، بل رفض الاعتراف بوجود أي أخطاء أصلًا. ،لازاخطغء اصلا، لا شيء يحتاج للإصلاح ،وهذا أساس الردة الحضارية للأمة. فالمفكر أو المثقف أو المصلح كما يفترض عندما يتحل لمتملق مداح منافق ، لن يكن أكثر من بوق، طبال. للسلطة او الجمهور، الجميع راض. لكن مشاكل المجتمع ستنفجر يوما وتفجر المجتمع .
لماذا لا يحتمل المجتمع النقد؟ (التنافر المعرفي)
ان التغيير النفسي للمجتمع يبدأ دائمًا من صدمة، من خلخلة، من إعادة تقييم الذات. وهذا ما يجب أن يفعله المصلح أو النبي أو “الرسول” بالمعنى الرمزي: دفع الفرد والمجتمع إلى مراجعة المسلمات، إيقاظه، إزعاجه بالحقائق، وتحريضه على التفكير. يخلق توترًا معرفيًا يُفسَّر به عناد المجتمع أو السلطات وتبرير القرارات السيئة بعد اتخاذها. نحن نميل تلقائيًا إلى تبرير أنفسنا وتغيير أفكارنا أو التقليل من أهمية التناقض بدلًا من تغيير سلوكنا الصعب. وعلى النخب أن تكون جريئة لتجاوز هذه الهاوية. .
لكن لماذا المجتمع لا يحتمل النقد؟
لأن النقد يُحدث فرقاً بين ‘صورتنا عن أنفسنا’ و’واقعنا’. وهذا الفرق – أو التنافر المعرفي – مؤلم نفسياً. فيفضل المجتمع قتل الرسول أو قمع المصلح على تحمل هذا الألم. النخبة الحقيقية هي من تتحمل أن تكون ‘مصدر ألم’ مؤقت لكي لا يكون المجتمع ‘مصدر فشل’ دائماً.” على النخبة ان تكون شجاعة ومضحية .او انها لا تكون .تلك النخبة التي تخاف الاصطدام مع المجتمع او السلطة .هي لعنة الامة .
المثقف الجبان: أخسف ما يكون
إن التملّق “بالاتجاهين” هو حالة خيانة مطلقة للعقل والمجتمع. أخسف ما يكون المثقف المصلح جبانًا يختار السلامة السهلة: ماذا تريد السلطة؟ أو ماذا يحب الشارع؟ أسمعهم ما يعجبهم وامض. يجعل هدفه ودوره مختصرًا: رغبة في القبول، خوف من الرفض، من الاتجاهين سلطة او جمهور أحدهما أو كلاهما، بحث رخيص عن المكاسب، رغبة في العيش والسكون. إذاً لماذا التغيير؟!
المثقف المصلح الحقيقي لا يوزّع طمأنينة مجانية. هو يأتي ليخرب الراحة، ليكسر القوالب، ليقول للمجتمع: “أنت لست بخير… ولا بأس أن نعترف ولا ننكر”. يأتي ليزرع الشك في أرض تعوّدت على النوم، وليفتح جرحًا كان الجميع يضعون فوقه ملصق “مغلق للصيانة” أو “للكمال” – نحن عظماء لا حاجة لنا لأي شيء آخر.
وهو عندما يخبر: “إننا لسنا بخير… ولا بأس أن نعترف ولا ننكر”، ليس مطلوبًا منه حصرًا أن يأتي بالحل تمامًا. قد يفعل، لكن عدم قدرته لا تعني أن يسكن للإنكار وأن الأمور جيدة… ولا عيوب.ان طرح الاسئلة هي مهمته الاساسية وان عدم الحلول احيانا …
ما العمل؟ كيف نعرف النخبة الحقيقية؟
إذاً، كيف نعرف النخبة الحقيقية؟ ليست من يصفق للشارع،ولا من يلعنه طبعا , ولا من ينحني للحاكم. النخبة هي من تقول: “أنتم مخطئون هنا، وصامتون هناك، ومغفلون عن هذه الحقيقة”. النخبة الحقيقية تخسر شعبيتها قبل أن تكسب مستقبل مجتمعها.
عزيزي المثقف النخبوي :لا تنتظر أن يحبك المجتمع إن كنت تريد إصلاحه. ولا تنتظر أن يصفق لك الحاكم إن كنت تريد حريته. النخبة الحقيقية تدفع ثمن جرأتها… لكن التاريخ لا يكتب إلا لأصحاب الجرأة.
#نخب_متملقة #النقد_ليس_خيانة
