48 ساعة بلا نوم… ثم تأتي “العراضة” لتذكّرك أن الضجيج أقوى من القانون

هناك لحظات تشعر فيها أن العالم قرر اختبار أعصابك عمدًا. أنا الآن في واحدة من تلك اللحظات: أكثر من 48 ساعة بلا نوم، سفرتان خارج المحافظة، ضغط عمل يجب أن يُنجز خلال 24 ساعة، وإرهاق يطرق رأسي كأنه مطرقة حداد. ومع ذلك، أحاول أن أبقى مستيقظًا فقط كي لا “أطبّ نايم” قبل أن أنهي ما تبقى.

لكن يبدو أن الإرهاق وحده لا يكفي. فجأة، ومن حيث لا أدري، تبدأ الطبول والسيوف والعيارات النارية بالقرع قرب عملي. لا أعرف هل هو عرس، أم عمرة، أم افتتاح محل جديد… كل ما أدركه أنه ضجيج مقرف لا يراعي أحدًا. وان معتوها, شخص ما قرر أن يثبت للعالم أنه يملك مكبر صوت أكبر من حجم عقله.

يا جماعة… احترموا الآخرين قليلًا. الفرح لا يكون بالصراخ، والإشهار لا يكون بإزعاج الناس، والعراضة ليست تراثًا جميلًا عندما تتحول إلى اعتداء صوتي على كل من حولكم. أنا لا أكره الفرح، بالعكس… أكره فقط الفرح الذي يأتي على شكل قصف مدفعي.

أكره تلك الفكرة العبقرية التي تقول: “إذا لم يسمعنا الحي كله… ما منكون فرحانين عن جد”.

يا أخي، افرح… بس مو لازم نفرح معك غصبًا.
افتح محل… بس مو لازم نعرف كلنا أنك فتحت.
اعمل عرس… بس مو لازم نعيش معك كل لحظة من لحظاته الصوتية.

المشكلة ليست في الطبل نفسه، بل في العقل الذي يعتقد أن احترام الآخرين “تفصيل ثانوي”. ثقافة بسيطة جدًا، تُزرع في البيت: لا تؤذِ أحدًا… حتى لو كنت مبسوطًا.

أنا أكره ظاهرة “العراضة” هذا الشو سخيف تمامًا كما أكره سماع الموسيقى العالية—سواء كانت طبلة أو سيمفونية كلاسيكية. ليس لأنني ضد الفرح، بل لأنني مع ثقافة احترام المساحة المشتركة. ثقافة أن تفرح دون أن تفرض فرحك على الآخرين. ثقافة أن تعلن وتشهر دون أن تؤذي وتزعج . ثقافة أن تتذكر أن هناك من يعمل، من يدرس، من يمرض ويتألم ، من يحاول النوم، أو ببساطة… من يريد بعض سكون , و لحظة هدوء.

هذه القيم لا تُزرع في الجامعة ولا في الوظيفة. هذه تُزرع في البيت، وفي الصف الأول في المدرسة ،في سلوك الكبار ,وفي تلك اللحظات الصغيرة التي نعلّم فيها أطفالنا أن العالم لا يدور حول رغباتهم وحدهم.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء مفهوم بسيط جدًا: احترام الآخر ليس رفاهية… بل أساس العيش المشترك.

اترك رد