“في العادة يجن الناس من الألم، لكننا لا نرى آلامهم بل جنونهم فحسب”
احيانا نرقب أشخاصاً -وقد نكون انفسنا – يتصرفون بطرق نخاف منها أو نسخر منها: عدوانية، انسحاب، هلوسات، نوبات بكاء أو غضب لا مبرر لها. نطلق عليهم أحكاماً سريعة: “مجنون”، “مختل”، “خطير”. لكننا نادراً ما نتوقف للحظة ونسأل: ما الألم الذي حمله هذا الإنسان حتى وصل إلى هنا؟
هناك ابتسامات لا تُلتقط في الصور ولا بالعيون احيانا تحتاج عيون بصيرة … هي ابتسامات ليست للذكرى، بل للتمويه…تحاول أن تقول “كل شيء بخير”، بينما الداخل ينهار مثل مبنى قديم يعرف أن أول هزة ستكشف عمره الحقيقي.
نحن مجتمع بارع في هذا الفن: فنّ إخفاء الألم تحت قشرة من الضحك، وكأننا نقول للعالم: “لا تقلقوا… نحن فقط نموت ببطء، لكن بذوق”. فرجة ممتعة ..لا تنتبهوا ..
لكن ماذا يحدث عندما تتعب الابتسامة من حمل كل هذا الثقل؟ عندما يصبح الألم أكبر من قدرة الوجه على التمثيل؟ هنا يظهر ما نسميه — بسذاجة — الجنون.
والحقيقة؟ الجنون غالبًا ليس جنونًا… بل صرخة أخيرة قبل الغرق.
من منظور نفسي – الألم هو الأصل، والاضطراب هو النتيجة
الابتسامة قناع… كذبة اجتماعية متفق عليها , رتاء بين الألم والجنون ,علم النفس يسميها Masking. نحن نسميها “خليك إيجابي”. كفاك… ,المجتمع يحب الخداع و لا يحتمل رؤية الوجوه المتعبة.
لمحاولة فهم هذه العلاقة بين الألم والجنون، علينا أن نعود إلى تعريف علم النفس للـ”اضطراب النفسي”. تقليدياً، يُنظر إلى الاضطراب على أنه خلل في الوظائف العقلية. لكن نظريات أكثر حداثة، وخاصة نظرية الصدمة (Trauma Theory)، تقدم تفسيراً مختلفاً: الاضطراب النفسي هو استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية
دعنا نأخذ اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD) كمثال. شخص تعرض لإساءة مستمرة في الطفولة، أو عاش في منطقة حرب كحالنا نحن الشرق اوسطيين او السورين ، أو فقد كل شيء فجأة. جسده وعقله يتعلمان أن الخطر هو القاعدة، وأن الاسترخاء هو الاستثناء. هذا الشخص قد يبدو “جنوناً” لمن حوله: يقفز من أدنى صوت، يبكي دون سبب واضح، يشك في نوايا الجميع، قد يصاب بنوبات ذهان عابرة. المجتمع يرى “الجنون”. لكن علم النفس يرى جهاز إنذار احترق بسبب الاستخدام المفرط.
آليات الدفاع النفسي التي وصفها فرويد وطورها آخرون، يمكن فهمها أيضاً في هذا السياق. الانفصال (Dissociation) هو مثال مثالي: عندما يكون الألم لا يطاق، ينفصل العقل عن الجسد وعن الذاكرة. الشخص “يخرج من جسده” كي لا يشعر بما يحدث. هذا يبدو “جنوناً” لمن يراه، لكنه في الحقيقة عملية إنقاذ ذاتي قصوى.
الأكثر إيلاماً هو اضطراب الشخصية الحدية غالباً ما يُوصف المصابون به بأنهم “متقلبون”، “مستفزون”، “غير متزنون ” أو حتى “مجانين خطرون”. لكن خلف هذا السلوك، هناك ألم هائل: خوف مرضي من الهجر، فراغ عاطفي لا يوصف، وذاكرة تعجز عن النسيان لتاريخ طويل من الإساءة أو الأذى أو الإهمال. ما نراه غضباً أو تهوراً هو في الحقيقة صراع يائس للبقاء مرتبطاً بشخص آخر كي لا يختفي داخلياً.
حتى الذهان (Psychosis) – وهو أقرب ما يكون للصورة النمطية للـ”جنون” – يمكن فهمه كرد فعل لألم شديد. الأصوات التي يسمعها مريض الفصام، أو الهلوسات البصرية، غالباً ما تحمل محتوى مرتبط بصدمات سابقة أو مخاوف عميقة. إنها ليست “أخطاء عشوائية” في الدماغ ذاته ، بل هي محاولة فاشلة منه , من العقل لترجمة الألم الداخلي إلى قصة خارجية.
نموذج الضعف-الإجهاد : يلخص الأمر بدقة: كل إنسان لديه استعداد وراثي أو بيولوجي معين (الضعف). عندما يضرب الألم (الإجهاد) بقوة كافية، يتحول هذا الضعف إلى اضطراب. ما نسميه “جنوناً” هو ببساطة تفاعل بين هشاشة بشرية وألم بشري.

المجتمع – لماذا نرى الجنون فقط ولا نرى الألم؟
إذا كان سبب كل “جنون” ألماً، فلماذا يصر المجتمع , مجتمعاتنا تحديدا ,على رؤية الأول فقط؟
منذ الطفولة يخاطب المجتمع ويدرب على هذا:
- “لا تبكِ او تشكو أمام الناس”.
- “اضحك… ما بدنا حدا يشمت فينا”.
- “كون قوي” (والقوة هنا تعني: اكتم كل شيء) , اخرس ..
وهكذا نتحول بالتكرار والممارسة الى خبراء في التجميل العاطفي. نضع “مكياجًا نفسيًا” يخفي الندوب، ونمشي في الشارع كأننا إعلان عن السعادة. لكن اين تلكم السعادة!!
تصدمنا اللحظة التي لا يعود فيها الجسد أو العقل قادرًا على حمل المزيد. فيظهر الألم بطرق أخرى ,سلوك يبدو “غريبًا”… فيسميه الناس جنونًا بينما هو في الحقيقة لغة بديلة. لغة شخص لم يعد يملك كلمات. لا شيء مهم .
و المجتمع يخاف من “المجنون”. صورة الانسان ذو العيون الجاحظة الذي يصرخ في الشارع، أو المرأة التي تتحدث مع نفسها، تثير فينا خوفاً غريزياً. لكن المجتمع لا يخاف من “المتألم“. بل قد يتعاطف معه. لذلك، وصف شخص بأنه “مجنون” أسهل من وصفه بأنه “شخص يعاني“. الوصمة تسمح لنا بإبعاد هؤلاء الناس عن دائرة إنسانيتنا. نقول لأنفسنا: “هو مختلف عني. أنا لست مجنوناً”. بينما لو اعترفنا بأنه مجرد إنسان تألم كثيراً، لكان الفرق بيني وبينه مجرد جرعة من سوء الحظ.
وإذا اعترفنا بأن “الجنون” هو ألم، فسنضطر لمواجهة أسباب هذا الألم. وما هي هذه الأسباب؟ الفقر، العنف الأسري، الحروب، الوحدة المزمنة، الفقد، الإهمال في الطفولة. هذه القضايا مؤلمة ومخزية للمجتمع نفسه. إنها تهدد صورتنا عن العالم كـ”مكان عادل وآمن”. لذلك، بدلاً من مواجهتها، نختزل المشكلة في الفرد: “هو مجنون”، “هي مختلة”. بهذه الطريقة، نحمي أنفسنا من مسؤولية النظر إلى المرض الاجتماعي , وكمجتمع يعزز فينا فكرة أن الاضطراب النفسي هو “عيب خلقي” وليس “جرحاً عميقاً , وهذا يريح المجتمع ليستمر في خيانة نفسه وافراده . بل ويدفع هذا المجتمع عادة عندما ليصدق الشخص وصمة المجتمع حول جنونه .
عندما يصدق الشخص وصمة المجتمع.
وفي أسوأ الحالات، يحدث فقدان الهوية (Identity Foreclosure). عندما يكرر لك المجتمع يوماً بعد يوم أنك “مريض نفسي“، “مجنون“، “غير طبيعي“، فإنك تبدأ في العيش وفقاً لهذه الهوية. تصبح سلوكياتك أكثر تطرفاً وشذوذا ، ليس لأنك تريد ذلك، بل لأنكفقدت القدرة على تذكر من كنت قبل الألم. يتحول الشخص من “إنسان يعاني” إلى “المرض نفسه“. وهنا تكتمل المأساة.
عمى المجتمع عن الألم هي تدمير للفرد من الداخل ,الشخص يشعر بالذنب وربما المهانة , لاقيمة , لأنه لم يعد “طبيعياً”. قد يصدق هو نفسه الاتهامات الموجهة إليه: أنه خطير، أنه فاشل، أنه يستحق ما يحدث له. هذا الشعور الداخلي بالخزي هو أكثر إيلاماً من الألم الأصلي نفسه…
خلف كل “جنون” هناك قصة ألم لم تروَ بعد. السؤال ليس “هل هذا الشخص مريض نفسي , مجنون ؟ في المقدمة يقول الاقتباس: “نحن لا نرى آلامهم بل جنونهم فحسب“. لكن : من يرَ الجنون فقط، يُضاعف الألم. ومن يجرؤ على رؤية الألم خلف الجنون، قد يُعيد إنساناً إلى الحياة.
