Home » فكر » هارون الرشيد – جودت سعيد-

هارون الرشيد – جودت سعيد-

هارون الرشيد وقصة ألف ليلة وليلة ما يزال يتحكم فينا بدون رشد ، هارون الرشيد وبلد الرشيد وبغدادالرشيد تغلغل في أعماقنا متلبسا بكل الأ بـهة الأسطورية ، إنه لم يعد اسما عَلَمَاً لشخص وإنما اسطورة عصر وحُكم يخاطب السحاب غير مبالٍ أنى ينـزل المطر فإن الخراج سيأتي إليه .

ويتحدى فرعون ويعطي ملك مصر الذي كان يفخر به فرعون لبعض عبيده ، ملكه ما بين الصين وبحر الظلمات إنه لم يعدملكا ولاخليفة وإنما اختلط بالخيال والـترف والتنسك بدون وعي ، تراث شعبي تجسد في قصص ألف ليلة وليلة ، القصور الخدم الحشم الجواري المغنيات وما شئت من خيالات من الحج سنة والغزو سنة أخرى .

ما شأن هذا كله وارتباطه بمؤتمرات القمم العربية والإسلامية ، وما العلاقة بين هذه الأحداث الخالية والمآسي الحالية ، وبما أن قصة هارون الرشيد تحول إلى خيال شعبي في قصة ألف ليلة وليلة فقد صار هارون الرشيد في خيال وأعماق كل عربي ومسلم وعنوان المجد التليد الغابر والحنين الدائم ، كنا ونحن أطفال نتغنى ببغداد يابلد الرشيد ومنارة المجد التليد ، مدينة السلام .

إن هارون الرشيد الخيال يقبع في قلب كل مسلم سواء شعر بذلك أم لم يشعر وسواء سمع باسمه أولم يسمع ، ولكن هذه البذرة والجينة حاملة الوراثة الثقافية في تخيل العز والمجد ، والوفاء والغدر وكل الأحلام ، ولما بلغ يحيى البرمكي خبر إعدام جعفر بن يحيى بأمر هارون ، وقع القلم من يده وقال : هكذا تقوم الساعة .

إن بغداد ودمشق تحملان خيالات المجد والغنى والسلطة والسعة والبسط .. لأن هذين البلدين كانا عاصمة العصر الذهبي في خيال المسلمين – وإن كان هذا العصر الذهبي عصرا قد فقد الرشد وإن كانوا يتمسحون به ويتسمون بالرشيد – حيث بدأ الانكسار للذمم وضياع الوفاء بالعهود من بعد معركة صفين إن كل هذا المجد المتخيل الذي طال خلال أجيال طويلة كان نتيجة جيل واحد من الذين استناروا بالرشد والأمانة وبقي عهد الرشد مقصورا عليهم حيث لم يضيع المسلمون معنى الرشد وإن فقدوا إلى يومنا هذا سبيل إعادة الرشد إن هذا الذي يقال عنه العصر الذهبي كان فاقد الرشد و على سنة هرقل ولم يكن على سنة الرشد .

وأنا لما أقول إن سنة هرقل تتحكم فينا من خلال أبـهة هارون الرشيد فإن كل حاكم في العالم العربي والإسلامي يحمل أمنية أن يكون مثل هارون الرشيد يخاطب السحاب ويوحد الأمة فإن وحدة الأمة أمل عميق ولكن وحدة الأمة لايمكن أن يتحقق على اليوم على سنة هارن الرشيد ، ولاببابل هاروت وماروت ، إنني أفهم هذه الأمور المختلطة الخفية والجلية الواضحة ، ومن شدة الوضوح الخفاء ، إن كل بلدٍ عربي يخاطب زعيمه بأنه زعيم العرب وقائد الأمة ومعقد آمالها وخاصة إن المثقف هو الذي يبتدع هذه الألقاب في كل بلد للأمير أو الملك أو الرئيس أو … كان هذا مفهوما في ذلك الوقت السالف حيث لم يكن الحضور السمعي والبصري يصل إلى كل مكان أما الآ ن والناس يسمعون ويرون لايستطيع الناس أن يفسروا هذا الفخر والعجز لابد من تحليل الأمور وتسمية الأفكار الخفية غير المنطوقة ولكن الأحداث والمواقف برزت إلى السطح وإلى العلن فوزير خارجية قطر أثناء حواره لم يـبال أن يوضح أن معاهدتهم مع أمريكا سببه أنه من الممكن إذا تغيرت الظروف أن يحدث لهم مثل ماحدث للكويت لقد طفح الكيل ليس من أحد يمكن أن يستـثني نفسه إن من يشرب المسكر يسكر ماتدري ماذا يحدث حين تـتمكن بالقوة من إزالة هذا الذل والعاروالتمزق العربي العربي والإسلامي الإسلامي بكل الصراحة يعلن وزير خارجية قطر أنه يخاف من إخوانه العرب والمسلمين وان أمريكا هي التي يمكنها ان تحميهم وهذه الحقيقة الجلية الخفية التي لم يكن يمكن التفوه بها طف وبرز إلى السطح ، إن وزير خارجية قطر عرف هذا وأعلنها على الملأ وكل العرب يعرفون هذا وإلا لماذا حدثت حرب الخليج الثانية ، إن الفهم يتقدم ببطء ولكنه يتقدم إننا نعيش عصر هارون الرشيد ولكن تلك أمة قد خلت علينا أن نخرج من الأحلام ونفهم الأوضاع ، إن أمريكا تفهمنا .

كتب رئيس أمريكي في مذكراته  : لما ضربنا بيت القذافي أعلن بعض العرب استنكارهم ولكن فيما بينهم يقولون إن القذافي يستحق هذا ، إن كل هذا الاختلاط سببه أننا لانعيش هذا العصر ، وأن هذه المشكلة الكبيرة هي التي تجعلنا نتصرف تصرف ما قبل الرشد وبعد الرشد ، واننا نعيش مفاهيم غير راشدة وأننا إذا تمكننا بالقوة – بناء على عصرسابق – لاقيمة لشيئ ولايقف أمامنا أحد إنه يمكن أن نزيل آباءنا ونستعدي على أبنائنا ونقتل أصهارنا إن أيدينا لا تستقبح أي دم ولايحول بيننا وبين مانريد لا الله ولاالبشر ولاإلّ ولا ذمة ، أنا قوي أنا ربكم الأعلى لايوجد إلا البتر ، فكرت في هذا الموضوع طويلا وكثيرا وفكرت في التاريخ وفكرت في القرآن فوجدت في أول سورة نزلت الحل للمشكلة ” إ ن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ” فتبين لي أن الإنسان ما دام الذين حوله يطيعونه ويرونه سيد الأقدار إنه سيتحوا إلى فرعون إلى طاغوت هذا الذي جعل فرعون ” فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ” وقال : ” ماعلمت لكم من إله غيري ” وقال : ” لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ” وقال للذين آمنوا بموسى : ” آمنـتم له قبل أن آذن لكم000 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ” إن الإنسان ليطغى بسرعة مادام الناس يطيعونه ، وحينما ألح كثيرا على ماجاء به الأنبياء وأنه لم يتفهمه الناس إلى يومنا هذا ، فإني أجد الخلاص من ربوبية وألوهية البشر أن نخرج من طاعتهم ربما لايكون هذا واضحا ولكن يمكن توضيحه مهما كان ملتبسا وهو أن نتعاون معه على البر والتقوى وأن لانتعاون معه على الإثـم والعدوان فهذا معنى قوله تعالى لموسى وأخيه : ” وقولا له قولا لينا ” هذا هو القول اللين والهين ، وهذا هو معنى قول موسى لفرعون : ” هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ” إن التزكي وإن الهداية وإن الخشية في قوله تعالى  : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثـم والعدوان ” إن المثل الشعبي الشائع الذي يقول : قيل لفرعون ما الذي فرعنك ، قال : إنه لم يردني أحد .

وربما يمكن فهم وشرح كلمة يردني ، بالتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان ، إن هذا الموقف هو الموقف اللين الذي فيه التزكية و الهداية والخشية كلمات لينة ، ولإمكان تقريب هذا إلى نفس الإنسان العادي الشعبي ، وأنه يمكن التغيير بموقف لين وبقول لين وهين أيضا ، ودين الله يسر ونحن الذي نجعله عسيرا ولابد من شرح هذا وتوضيحه ، لأنه صار خفيا ، إ ن كلمة الله في التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون معه على الأثم والعدوان سيحل المشكلة الانسانية كلها لاالعربية والإسلامية فقط وذلك حين نخرج من أن نكون أداة بيد هذا الذي يريد أن يوحد العرب أوالبشرية بالقوة ، فإذا خرجنا أن نكون أداة بيده فإنه لايستطيع أن يفعل شيئا لأن الذين يرفضون أن يتعاونوا على الإثم والعدوان لايمكن أن يكونوا أداة بيد الآثم المعتدي وأنا أومن وأطمع أن أنقل إيماني إلى آخرين أنه إذاوجد هذا النوع من البشر –وهو اأرادالأنبياء إيجاده – يمكن لهذاالنموذج أن يحولوا الأمة إلى الرشد وإن الأمة الراشدة والبلد الراشد لايوحد الأمة بالقوة الإكراه وإنما بالإقناع والترشيد وإن بلدا واحدا من العرب يبلغون الرشد ويتعاونون على البر والتقوى لايمكن أن يهجم على جاره وإنما يقول لجاره خذ بلدي فإن بلدا لا يطيع أفراده على المعصية لايمكن أن يتحول حاكمهم إلى رب يعبد من دون الله ، وقد بدأنا نرى في واقع الحياة أمثلة عجيـبة في الدعوة إلى كلمة السواء وأن لايكون هناك أحد فوق القانون إن مثل هذا المجتمع بدأ يتكون في العالم وهم لايحتاجون أن يرسلوا قوات إلى جيرانهم ليضموهم وإنما جارهم يقول خذوني وضموني إليكم أليس هذا الذي تـتمناه تركيا ويتمناه المغرب أن يقبلوا في الاتحاد الأوربي على كلمة سواء وأليس ، وأليس خوف ياسرعرفات من إمكان رفض الشعب الفلسطيني له إن تنازل عن القدس هو الذي جعله يرفض ذلك وأنه استقبله الفلسطينيون وإن من يمثل رغبة شعبهه لن يهزم ولن يفشل إن العالم يتغير وإن بلدا عربيا واحدا يتحول إلى بلد راشد يمثل من يحكمهم بقناعة سيكون سببا لتحول جميع العرب ، وإن غدا لناظره قريب ولعل من مأساة فلسطين يتولد تضامن حقيقي بين الشعب وممثليه فتحل مشكلة العرب ونصير نتعجب كيف لم نكن نفهم ذلك إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا .

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة)) 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: