|
يناير
22
|

* كل قصة استعمار سبقتها قصة شعب قابل للاستعمار
* لا يُقاس المجتمع بكميَّة ما يملك من ( أشياء ) ، بل بمقدار ما فيه من أفكار .
* ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة ، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب ، فتمحو منه ( عالم الأشياء ) محوًا كاملاً ، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه ، فإذا ما حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على ( عالم الأفكار ) كان الخراب ماحقًا . أمَّا إذا استطاع أن ينقذ ( أفكاره ) فإنَّه يكون قد أنقذ كلَّ شيء ، إذ أنَّه يستطيع أن يعيد بناء ( عالم الأشياء ) .
*إن الذي ينقص العربي ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً ، بل إنه أكثر من ذلك يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً ويقولون كلاماً منطقياً من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط .
* لقد مرَّت ألمانيا بتلك الظروف ذاتها ، كما تعرَّضت روسيا لبعضها ، إبان الحرب العالميَّة الأخيرة . ولقد رأت الدولتان – وخاصَّة ألمانيا – الحرب تدمِّر ( عالم الأشياء ) يهما . حتَّى أتت على كلِّ شيءٍ تقريبًا . ولكنَّهما سرعان ما أعادتا بماء كلَّ شيء ، بفضل رصيدهما من الأفكار .
* فاعليَّة ( الأفكار ) تخضع إذن لشبكة العلاقات ، أي أنَّنا لا يمكن أن نتصوَّر عملاً متجانسًا من الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضروريَّة . وكلَّما كانت شبكة العلاقات أوثق ، كان العمل فعَّالاً مؤثِّرًا .
* إذا كانت ثروة مجتمعٍ معيَّن يتوقَّف تقديرها على كميَّة أفكاره من ناحية ، فإنَّها مرتبطة بأهميَّة شبكة علاقاته من ناحية أخرى .
* بديهي أنَّ الدولة الَّتي تحقِّق التقدُّم الإنساني في أعظم أشكالة هي الَّتي تحقِّق شبكة العلاقات الاجتماعيَّة على أقرب ما تكون من الَّتي نسجها الإسلام في العصر المدني .
*وقد نتج عن هذا أنهم منذ مائة عام لا يعالجون المرض ، وإنما يعالجون الأعراض ، وكانت النتيجة قريبة من تلك التي يحصل عليها طبيب يواجه حالة مريض بالسل ، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم ، وإنما يهتم بهيجان الحمى عند المريض .
والمريض نفسه يريد – ومنذ مائة عام – أن يبرأ من آلام كثيرة : من الاستعمار ونتائجه ، من الأمية بأشكالها ، من الفقر رغم غنى البلاد بالمادة الأولية ، من الظلم والقهر والاستعباد ، من ومن ، ومن ، وهو لا يعرف حقيقة مرضه ولم يحاول أن يعرفه ، بل كل ما في الأمر أنه شعر بالألم ، ولا يزال الألم يشتد ، فجرى نحو الصيدلية ، يأخذ من آلاف الزجاجات ليواجه آلاف الآلام .
وليس في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية ، فإما القضاء على المرض وإما إعدام المريض . لكن هناك من له مصلحة في استمرار هذه الحالة المرضية سواءً أكان ممن هم في الخارج أو ممن يمثلونهم في الداخل .
لقد دخل المريض إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء ، ولكن من أي مرض ؟ وبأي دواء ؟ وبدهي أننا لا نعرف شيئاً عن مدة علاج كهذا ، ولكن الحالة التي تطرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن ، لها دلالة اجتماعية يجب أن تكون موضع تأمل وتحليل . وفي الوقت الذي نقوم به بهذا التحليل يمكننا أن نفهم المعنى الواقعي لتلك الحقبة التاريخية التي نحياها ، ويمكننا أيضاً أن نفهم التعديل الذي ينبغي أن يضاف إليها .
*إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية فهذه تعتبر خطراً في مجتمع مازال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم أو يتجاهلونها ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده ، أشق كثيراً من صنع محرك أو تقنية متطورة ، ومما يؤسف له ان حملة الشهادات العليا في هذه الاختصاصات هم الأكثر عدداً في البلدان المتخلفة لكنهم لم يكونوا إلا حملة أوراق يذكر فيها اختصاصهم النظري ، فصاروا عبئاً ثقيلاً على مسيرة التنمية والإصلاح ، فهم القادة في المجتمعات المتخلفة على الرغم من عجزهم عن حل أبسط المشكلات بطريقة علمية عملية ، وإلا لما تخلف مشروع النهضة حتى الوقت الحاضر ، ونحن بحاجة إلى دروس في منهجية العمل في سائر مستويات عملنا .
*ففي بلد متخلف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته ، تنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافاً محضاً . أما في البلد المتقدم وطبقاً لدرجة تقدمه ، فإن الشيء يسيطر بسبب وفرته وينتج نوعاً من الإشباع ، إنه يفرض شعوراً لا يحتمل من الشؤم البادي من رتابة ما يرى حوله ، فيولد ميلاً نحو الهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضر دائماً إلى تغيير إطار الحياة وفق صرعات الموضة في كل شيء حوله .
*فالإنسان المتخلف وبسبب عقدة تخلفه يرد المسافة بين التقدم والتخلف إلى نطاق (عالم الأشياء) ، أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه متمثل في نقص مالديه من مدافع وطائرات ومصارف…الخ .
وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية ، إذ ينتهي من الوجهة النفسية إلى التشاؤم كما ينتهي من الوجهة الاجتماعية إلى تكديس المشكلات ، فلكي يصبح مركب النقص لديه فَعّالاً مؤثراً ينبغي أن يرد الإنسان تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى الأشياء ، فإن تطور العالم الجديد دائماً يتركز اعتماده على المقاييس الفكرية .
*إن الذي نقص العربي ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً ، بل إنه أكثر من ذلك يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً ويقولون كلاماً منطقياً من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط .*لكن كيف نخلص الإنسان من الاستعمار الثقافي ؟ والذي معناه استمرار الاستعمار السياسي والاقتصادي إن الإنسان المطلوب تغييره من أجل تنشيط عملية البناء الحضاري لا يمكن تغييره وتخليصه من الدونية باتجاه الآخر المستعمر ، إلا إذا هيأنا له مناخاً تربوياً متحرراً من النفوذ الاستعماري وجواً ثقافياً أصيلاً . وشعوراً متعالياً بالشخصية وعلى أي حال فإن الفرد منذ ولادته في عالم من الأفكار والأشياء يعتبر معها في حوار دائم ، فالمحيط الثقافي الداخلي الذي ينام الإنسان في ثناياه ويصحو ، والصورة التي تجري عليها حياتنا اليومية تُكَوّنُ في الحقيقة إطارنا الثقافي الذي يخاطب كل تفصيل فيه روحنا بلغة ملّفزة ، ولكن سرعان ما تصبح بعض عباراتها مفهومة لنا ولمعاصرينا ، عندما تفسرها لنا ظروف استثنائية تتصل مرة واحدة بعالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم العناصر ، فإذا بها تكشف عن مضمونها تماماً كما كشفت التفاحة لنيوتن عن سر الجاذبية
*إن الزمن نهر قديم يعبر العالم ، ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي يعيش فيها كل شعب؛ والحقل الذي يعمل به وهذه الساعات التي تصبح تاريخاًً هنا و هناك ؛ قد تصير عدماً إذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها ، وإذا قسنا الزمن بمقياس الساعات التائهة فالقرون لا تساوي شيئاً
*وحظ الشعب العربي والإسلامي من الساعات كحظ أي شعب متحضر ، ولكن عندما يدق الناقوس منادياً الرجال والنساء والأطفال إلى مجالات العمل في البلاد المتحضرة … فأين يذهب الشعب ؟ تلكم هي المسألة المؤلمة .. فنحن في العالم الإسلامي نعرف شيئاً يسمى (الوقت)! . ولكنه الوقت الذي ينتهي إلى عدم ، ولأننا لا ندرك معناه ولا تجزئته الفنية ؛ لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة وثانية ، ولسنا نعرف إلى الآن فكرة (الزمن) الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالتاريخ(146:7) وبتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج ، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا ، هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد ، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط ، في تكوين المعاني والأشياء .
كتاب شروط النهضة للتحميل اضغط هنا


















الخميس 22 يناير 2009 @ 7:44 م
أفكار رائعة جداً, قد لا أتفق مع بعضها و لكنها مصاغة بعقلية متّزنة و عارفة فعلاً
مالك بن نبي انسان عظيم فعلاً
تحياتي
الجمعة 23 يناير 2009 @ 2:37 ص
لا لا كنت بدي دون عن الكتاب و حط رابط تحميل بس اتكسلنت ,سبقتني.مع أني رفتعه على مساحة خاصة في,ومجهز الوضع و كنت مخصص وقت لأقراه.
على كل حال افكاره لهل الإنسان العظيم,و بتستاهل تنقرا و تتدرس, ينصاغ منها طريقة عملنا للإنتاج الفكري.
سلام.
الجمعة 23 يناير 2009 @ 2:55 م
syriangavroche
اهلا بمرورك دكتور..
الاهم براي في ما طرحة مالك بن نبي منهجيته التي اعتمدها ,اتنى ان اقرا رايك يوما بفكره واطروحاته ..
adnan
مستعد لحذف التدوينة يا صديق .._مداعبة ) ..
يا ليت يتم نقاش افكار حول مالك بن نبي وتلامذته _ج=ودت سعيد وغيرهم ..) فكرهم مهم جدا ويستخق فعلا صفحات وصفحات .. ويا ليتك تبدا ..
سرني مروركما
السبت 24 يناير 2009 @ 1:12 ص
العرب مثل الخط المتوازي يحتاجون الى ضربة على ام الرأس لكي يتقاطعوا او يلتقوا مع الخطوط الأخرى يعني مع العالم.
الأحد 25 يناير 2009 @ 1:18 ص
مالك بن نبي.. فعلا يستحق لقب المفكر.. وفيلسوف العصر..
يجب على الجميع قراءة كتبه جميعا…
ولكن مشكلته الوحيدة هو أنه كان لا يعطي أفكاره ومحاضراته إلا لنخبة المجتمع ممتثلا بالمثل “لا تعطوا الحكمة إلا لأصحابها”
وشكرا عى النقل
الأربعاء 4 مارس 2009 @ 11:58 م
سبحان الله
سبقتني إلى هذا الرجل ورب الكعبة ،
أنا أقوم حالياً بعمل حلقات اقتباسات كما فعلتها أنت مع كتب محببة إلى قلبي، وقد بدأت فعلاً مع كتاب ملامح المستقبل وحالياً أعمل على صور المثقف ، وكان في بالي ان أقوم في القريب بالبدء في مجموعة كتب مالك بن نبي ابتداءً بشروط النهضة، لكن ما رأيته من إبداعك جعلني أفكر ملياً في هذا الأمر ،
لعله لي نصيب في الكتب الأخرى بإذن الله
ومالك بن نبي ، فيلسوف لا يجاريه أحد.
رحمه الله
السبت 14 مارس 2009 @ 10:25 م
جميل ما قرأته هنا، مدخل هذا الرجل إلى النفوس كان إقراره بمرض الأمة العربية و إبتعاده عن نظرية المؤامرة. هو و جودت سعيد لديهم من الأفكار ما يشرح الصدر. شكرا لك.
الخميس 2 سبتمبر 2010 @ 5:56 م
ان الامة العربية تحتاج في هذا العصر عصر الانهزامات و الاستضعاف الى من يذكرها برجال عاشوا قضياها بأفكارهم و وجدانهم و أعمالهم و بتفاعلهم تمكنوا من تحديد مشكلة الامة و أزمتها الحقيقية التى تعاني منها منذ معركة صفين الى يومنا هذا و التى حددها الاستاذ الفاضل مالك بن نبي بانها مشكلة حضارية و بالتالي ينبغي على مثقفيه و سياسيها أن يبحثوا في الحلول في اي ظل هذا الاطار و الا فسوف نستمر في التراوح في المكان و لا نتقدم خطوة واحدة الى الامام.
و الأولى لصناع القرار عندنا ان يترجوا افكار مالك بن نبي الى مشاريع تنموية كما فعلت ماليزيا للخروج من التخلف الذي نعاني منه.